كتب طوني عطية في" نداء الوطن": يدخل الجنوب اللبناني مرحلة بالغة الدقة، مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل"، في ظل استحقاقات أمنية وسياسية تُعدّ، بلا منازع، الأصعب منذ عقود، ومخاوف متزايدة من فراغ أممي يضع الدولة اللبنانية وجيشها أمام تحديات غير مسبوقة.
غياب "اليونيفيل" من دون إيجاد آلية بديلة، يعني فقدان "العيون الأممية" التي كانت ترصد التحركات العسكرية وتوثّق الانتهاكات وتشكّل، ولو بحدود إمكاناتها، مظلة دولية يتحرّك الجيش اللبناني تحتها. وبغيابها ستتمتع إسرائيل بهامش أوسع من الحركة الميدانية.
ولا تنفصل هذه المخاوف عن مسألة أخرى لا تقلّ خطورة، تتمثّل في سعي إسرائيل إلى فرض تنسيق ميداني مباشر مع الجيش اللبناني، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية، خشية أن يتحوّل هذا التنسيق إلى واقع جديد يُفرض عليها تحت ضغط موازين القوى. فلبنان لا يستطيع مجاراة التفوّق الإسرائيلي منفردًا، من دون رعاية أممية موجودة على أرض الجنوب، تؤمّن الحدّ الأدنى من التوازن والضمانات. فخلال اجتماعات الناقورة (التي توقفت)، على سبيل المثال، كان لبنان محاطًا بدول صديقة.
غير أن هذه المسيرة اصطدمت بالتطورات الإقليمية التي أعقبت اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، واندلاع حرب الإسناد الثانية في 2 آذار 2026، حين عاد "حزب الله" إلى فتح جبهة الجنوب، ما حال دون استكمال الجيش مهمته وفق المسار الذي كان قد بدأه.
في الخلاصة، يجد لبنان نفسه أمام استحقاقين متلازمين: استكمال حصر السلاح بيد الدولة، ومنع تحوّل الوجود العسكري الإسرائيلي إلى أمر واقع دائم. وفي مواجهة هذين التحدّيين، تبرز ضرورة الحفاظ على مظلة دولية تواكب الجيش اللبناني، وتوفّر آلية موثوقة لمراقبة الحدود وتوثيق الخروقات. وفي هذا الإطار، تشير معلومات متوافرة إلى أن واشنطن، التي تعتبر الجيشين اللبناني والإسرائيلي حليفين لها، لا تريد السماح باندلاع أي توتر أو تصعيد أو مواجهة بينهما. ومن هذا المنطلق، تسعى إلى إيجاد مخرج يُبقي الجنوب تحت رعاية دولية تحظى بقبول الأطراف المعنية، وتؤمّن الحدّ المطلوب من الاستقرار والضمانات، ريثما تنضج الظروف المؤاتية للتوصّل إلى حلول نهائية.