منح
مجلس الوزراء الجهات المعنية أسبوعين للعودة باقتراحات ملموسة لمعالجة ملف النفايات، بعدما خصّص جلسته الخميس لبحثه. لكنّ أهمية هذه المهلة تتجاوز موعد الجلسة المقبلة، لتطرح سؤالًا رافق هذا الملف طويلًا: كيف يمكن معالجة المشكلات الراهنة من دون إنتاج ترتيبات مؤقتة تصبح، مع تمديدها، البديل الدائم عن الحل؟
ولأنّ استمرار جمع النفايات ونقلها لسنوات لم يحمِ
لبنان من انفجار الأزمة حين تعذّر الطمر، تبرز الحاجة إلى مقاربة تتجاوز تأمين مواقع إضافية لاستقبالها. وفي هذا الاتجاه، أكّد المجلس مبادئ تبدأ بتقليص النفايات والفرز من المصدر، مرورًا بالتدوير ومعالجة المواد العضوية، وصولًا إلى التعامل مع المرفوضات. كما نصّ البيان على اعتماد اللامركزية بما يكرّس دورًا محوريًا للبلديات بالتنسيق مع
الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، وشجّع الشراكة مع القطاع الخاص. أمّا الطمر أو التفكك الحراري لإنتاج الطاقة، فأبقاهما مرتبطين باستكمال الدراسات اللازمة ومراعاة الجدوى البيئية والاقتصادية والمالية.
بذلك، حدّد مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة توجهات للمعالجة، فيما ترك للاقتراحات المقبلة ترجمتها إلى خيارات محدّدة. ويستدعي هذا التمييز الحذر في تقييم الجلسة. فالحكومة لم تعلن إنجاز حل شامل، كما أنّ مهلة الأسبوعين ليست موعدًا لإنهاء الأزمة. غير أنّها وضعت نفسها أمام فرصة لتغيير طريقة التعامل معها: أن تقرّر منذ البداية كيف تنتهي الإجراءات العاجلة، وبأي بدائل تُستبدل، عوض انتظار استنفادها للبحث عن مخرج جديد.
كيف يتحوّل المؤقت إلى دائم؟
تقدّم تجربة مطمر
الناعمة مثالًا واضحًا على هذه المعضلة. فقد افتُتح عام 1997 ضمن خطة طوارئ لإدارة نفايات
بيروت ومعظم
جبل لبنان، واستمر استخدامه مع توسعات متكرّرة، إلى أن أُغلق في
تموز 2015 من دون تأمين بديل جاهز لاستقبال النفايات. يومها، أدّى إغلاق المطمر من دون بديل إلى تعطّل الجمع وتراكم النفايات، فكشف ارتباط انتظام الخدمة باستمرار القدرة على الطمر. والدرس السياسي من التجربة أنّ تأجيل البديل لا يوقف الحاجة إليه، وإنما ينقل القرار إلى لحظة تصبح فيها الخيارات أضيق وكلفة الاعتراض عليها أعلى.
من هذه الزاوية، يمكن أن تساعد اللامركزية على تقليل الارتهان لموقع واحد أو ترتيب مركزي واسع، شرط أن تُبنى على قدرات فعلية. فإسناد دور محوري للبلديات يحتاج إلى تمويل منتظم وخبرة تقنية وتعاون بين البلديات التي تتشارك نطاق الخدمة. كما يحتاج إلى تحديد العلاقة مع الهيئة الوطنية وحسم المسائل العالقة، حتى لا تتوزّع الأزمات على المناطق، وتجد كل بلدية نفسها أمام حاجة إلى تدبير مؤقت خاص بها، يعيد إنتاج المشكلة على نطاق أصغر.
وتبقى مواقع المعالجة الاختبار السياسي الأوضح. فاعتماد اللامركزية لا يلغي الخلاف على استقبال نفايات مناطق مجاورة، ولا يحسم توزيع الأعباء البيئية والمالية. وقد يكون التعاون بين مجموعة بلديات أكثر جدوى من إنشاء منشأة لكل منها، لكنّه يحتاج إلى اتفاق مستقر على المسؤوليات والرقابة وحقوق السكان في الاطلاع والاعتراض. وهنا تقع مسؤولية الحكومة في وضع قواعد عادلة ودعم تطبيقها، إذ يصعب مطالبة السلطات المحلية بحل خلافات تتجاوز حدودها، ثم تركها وحدها حين تتحوّل هذه الخلافات إلى مواجهة سياسية أو أهلية.
رفع النفايات لا يكفي
تكشف التجربة السابقة أنّ قيمة عقود النفايات تُقاس بما تحقّقه بعد رفع النفايات من الشارع. فإذا اقتصر النجاح على انتظام الجمع والنقل، بقيت المعالجة أسيرة قدرة المطامر على الاستيعاب، وأصبح الإنفاق وسيلة لتأجيل الأزمة. لذلك، تحتاج الحكومة إلى تحديد النتيجة التي تطلبها من الشركات منذ البداية: كم ستعالج، وكم ستستعيد للتدوير، وكم سيبقى للطمر؟ على هذا الأساس، يمكن معرفة ما إذا كانت الأموال تخفّف المشكلة أو تطيل عمر الترتيبات القائمة.
وتحتاج هذه المحاسبة إلى وضوح المسؤولية حين تتعثّر الخدمة. فلا يجد المواطن نفسه أمام شركة تحيل المشكلة إلى الدولة، وجهة رسمية تلقيها على البلدية، فيما تستمر الكلفة ويغيب الحل. لذلك، يفترض أن يعرف الناس ما تلتزم به الشركة، وما تتولّاه السلطات المعنية، ومن يتدخّل عند التقصير. بهذا الوضوح، تصبح معالجة الخلل ممكنة قبل أن يتحوّل إلى أزمة تفرض تمديد الترتيبات نفسها بحجّة غياب البديل.
أمّا الاستعانة بالقطاع الخاص لتمويل المنشآت وتشغيلها، فقد تساعد على تأمين إمكانات تحتاج إليها الدولة، لكنها لا تعفي الحكومة من توضيح الكلفة ومن سيتحمّلها. فعدم دفع كلفة البناء مباشرة لا يعني أنّ الخدمة ستصبح بلا مقابل. والأهم ألّا يتحوّل التعاقد إلى
التزام يستمر سنوات، فيما تبقى نتائجه ضعيفة وتصبح مراجعته صعبة. لذلك، تحتاج الحكومة إلى اتفاقات واضحة تتيح محاسبة الشركات عند التقصير، حتى لا يجد اللبنانيون أنفسهم مجددًا أمام خيارين: استمرار معالجة غير مجدية، أو عودة النفايات إلى طرقهم.
في المحصلة، تستطيع الحكومة أن تبدأ كسر دوامة الحلول المؤقتة إذا ربطت معالجة المشكلات الراهنة بمسار واضح للاستغناء عن التدابير العاجلة. والمطلوب بعد أسبوعين اقتراحات تحدّد المواقع والقدرات والكلفة والمسؤوليات، وتشرح كيف سيُقاس التقدّم في تقليص النفايات ومعالجتها. أمّا الاكتفاء بتأمين مساحة إضافية للاستيعاب، مع تأجيل بقية القرارات، فسيمنح السلطة وقتًا جديدًا تستخدمه قبل أن تواجه السؤال نفسه.