تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بري يسابق التسوية الإقليمية بحوار داخلي

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
07-11-2026 | 03:00
A-
A+
بري يسابق التسوية الإقليمية بحوار داخلي
بري يسابق التسوية الإقليمية بحوار داخلي photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تتجاوز المساعي الرامية إلى إعادة فتح قنوات التواصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون و"حزب الله" حدود الخلاف السياسي القائم بين بعبدا وحارة حريك. فالمسألة لم تعد تتعلق بإمكان جمع الطرفين حول طاولة واحدة، بل بما يمكن أن يترتب على استمرار التباعد بين رئاسة الجمهورية وقوة سياسية وعسكرية رئيسية في البلاد، في مرحلة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع تحولات إقليمية قد تعيد رسم موازين القوى وشروط التسويات. ومن هنا، تطرح حركة رئيس مجلس النواب نبيه بري تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان يحاول احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة حكم، أم يسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الرئاسة و"الحزب" تمهيداً لتفاهم أوسع بشأن السلاح ودور الدولة وقرار الحرب والسلم.
Advertisement

في الواقع، فإن الفصل بين الاحتمالين يبدو صعباً، لأن الخلاف بين عون و"حزب الله" لم يعد محصوراً في تباين المواقف من ملفات محددة، بل بات يلامس الأسس التي يفترض أن تقوم عليها العلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية خارج إطارها. فالرئيس، بحكم موقعه الدستوري، معني بتثبيت سلطة الدولة وحصرية قرارها الأمني والعسكري، فيما ينطلق "حزب الله" من اعتبار أن سلاحه يرتبط بمعادلة دفاعية لم تسقط مبرراتها في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب الضمانات التي تحول دون تجددها. وبين هذين المنطقين، تبدو مساحة التفاهم ضيقة ما دام كل طرف ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، ويخشى أن تتحول أي خطوة باتجاه الآخر إلى تنازل يمس موقعه أو خياراته الأساسية.

في هذا السياق، ترى مصادر سياسية مطّلعة أن تحرك بري يمكن فهمه بوصفه محاولة لمعالجة أزمة تتجاوز العلاقة الشخصية أو السياسية بين الرئيس و"الحزب". إذ ان استمرار القطيعة، إذا ترافق مع تصاعد الخلافات داخل الحكومة وتعثر اتخاذ القرارات، قد ينقل التوتر من مستوى الاعتراض السياسي إلى مستوى تعطيل المؤسسات. والخطورة هنا أن تتحول رئاسة الجمهورية إلى طرف في مواجهة مفتوحة مع مكوّن أساسي في المعادلة الداخلية، بما يضعف قدرتها على إدارة التوازنات التي تحتاج إليها الدولة في هذه المرحلة. لذلك، قد يكون الهدف الأول للوساطة إعادة تأسيس الحدّ الأدنى من التواصل، حتى لو تعذّر التوصل سريعاً إلى تفاهم حول القضايا الخلافية الكبرى.

لكن الاكتفاء بهذا التفسير يغفل البعد الآخر لحركة بري. فالرجل يدرك أن إعادة العلاقة إلى طبيعتها السابقة لم تعد أمراً بسيطاً، خصوصاً بعدما انتقل النقاش بشأن سلاح "حزب الله" من إطار الخلاف السياسي المزمن إلى صلب الالتزامات المطلوبة من الدولة اللبنانية، داخلياً وخارجياً، وأي حوار جدي بين بعبدا و"الحزب" سيجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن التوفيق بين مطلب حصرية السلاح بيد الدولة وبين تمسك "الحزب" بقدراته العسكرية في ظلّ استمرار التهديد الإسرائيلي؟ وهل توجد صيغة انتقالية تتيح معالجة هذا التناقض من دون فرض استسلام سياسي على طرف أو إبقاء الدولة عاجزة عن ممارسة صلاحياتها؟

غير أن الوصول إلى مثل هذه الصيغة لا يتوقف على الإرادة اللبنانية وحدها. اذا تلفت المصادر إلى أن المشهد الداخلي يتحرك تحت تأثير مواجهة أميركية - إيرانية لم تتّضح بعد حدودها النهائية، فيما يرتبط مستقبل الترتيبات الأمنية في لبنان بطبيعة التفاهمات أو الصدامات المحتملة في المنطقة. وهذا لا يعني، وفق المصادر، بأن القرار اللبناني غائب بالكامل، لكنه يعني أن هامش المناورة المتاح للأطراف يتأثر بحسابات تتجاوز الحدود. فكل تقدم في مسار التهدئة الإقليمية قد يفتح المجال أمام تسويات داخلية، بينما قد يؤدي تجدد التصعيد إلى تشديد المواقف وإضعاف فرص التنازل المتبادل.

وهنا تحديداً تكمن المعضلة التي تواجه أي حوار مرتقب. فرئيس الجمهورية لا يستطيع الدخول في تفاهم يُفسَّر على أنه تراجع عن التزاماته المتعلقة ببسط سلطة الدولة، كما أن "حزب الله" لا يبدو مستعداً لمناقشة مستقبل سلاحه بمعزل عن الضمانات الأمنية والسياسية وعن طبيعة التهديدات التي يواجهها. وفي غياب تصوّر مشترك للمرحلة المقبلة، قد تتحول طاولة الحوار إلى مساحة لتبادل المواقف المعروفة، من دون امتلاك القدرة على ترجمتها إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

مع ذلك، فإن محدودية فرص التوصل إلى اتفاق شامل لا تعني بالضرورة انتفاء جدوى الحوار. فثمة فارق بين حوار يسعى إلى إنتاج تسوية نهائية، وآخر يهدف إلى إدارة الخلاف ومنع توسّعه. وقد تكون هذه النقطة بالذات جوهر المقاربة التي يحاول بري الدفع باتجاهها، عبر إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وضبط الخلافات داخل المؤسسات، ومنع اتخاذ خطوات متبادلة تجعل العودة إلى التفاهم أكثر صعوبة، ريثما تتضح طبيعة التحولات الإقليمية.

وتزداد أهمية هذه المقاربة في ضوء التوترات الحكومية، ولا سيما الخلافات المرتبطة بملفات أمنية وقضائية حساسة، حيث باتت بعض القوى تستخدم المشاركة في السلطة أو مقاطعتها وسيلة للضغط السياسي. فالحكومة التي تجد نفسها عاجزة عن احتواء خلافات مكوناتها، ورئاسة الجمهورية التي تتّسع المسافة بينها وبين أطراف وازنة، تواجهان خطر انتقال الأزمات المتفرقة إلى أزمة أوسع في إدارة الحكم. وعند هذه النقطة، لن يكون الخلاف حول سلاح "حزب الله" وحده، بل حول قدرة المؤسسات الدستورية على الاستمرار في أداء وظائفها وسط انقسام سياسي متصاعد.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين بعبدا و"حزب الله" ستثير بدورها تساؤلات لدى القوى السياسية الأخرى، خصوصاً تلك التي تخشى أن تؤدي التفاهمات الثنائية إلى إعادة إنتاج تسويات تتجاوز المؤسسات أو تؤجّل معالجة القضايا السيادية. ولهذا، فإن نجاح الوساطة لا يقاس بمجرّد استئناف اللقاءات، بل بقدرتها على تحويل التواصل إلى مسار سياسي واضح يحفظ صلاحيات الدولة، ويمنع في الوقت نفسه انزلاق الخلاف إلى مواجهة داخلية جديدة.

في موازاة ذلك، تعتبر المصادر أن فرص التوصل إلى مثل هذا التفاهم تبقى مرتبطة أيضاً بمسار التطورات الإقليمية، ولا سيما المواجهة الأميركية - الإيرانية. فالتسويات الإقليمية قد تفتح أبواباً للحلول، لكنها لا تضمن بالضرورة توافقاً لبنانياً على تفاصيلها. كما أن استمرار الانتظار قد يسمح بتراكم أزمات داخلية تجعل الاستفادة من أي انفراج خارجي أكثر تعقيداً. ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين ما يمكن إنجازه لبنانياً الآن، وما يبقى مرتبطاً بتوازنات لم تتبلور بعد.

في النتيجة، تبدو حركة بري واقعة عند تقاطع مسارين: منع الخلاف بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله" من التحول إلى أزمة حكم، ومحاولة إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاهم أوسع قد تفرضه التحولات المقبلة. لكن نجاح المسار الأول لا يضمن الوصول إلى الثاني. فإعادة التواصل قد تكون ممكنة قبل نضوج التسوية الإقليمية، أما الاتفاق على مستقبل السلاح ودور الدولة فيحتاج إلى شروط سياسية وأمنية أكثر تعقيداً. وفي ظل هذا التباين، يبقى التحدي الحقيقي ألا يتحول انتظار الحل الخارجي إلى ذريعة لتعليق السياسة الداخلية، وألا يتحول الحوار نفسه إلى وسيلة لتأجيل القرارات التي لا تستطيع الدولة اللبنانية الاستمرار في الهروب منها.
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj