نلد في بلادنا كما تلد القطط. الأخيرة تُحبّ أطفالها وتحميها بأسنانها. تنقلها معها أينما ذهبت. تُطعمها من فمها ولا تبخل عليها. تزداد شراسةً إن اقترب أحدٌ منها، وحين يتمكن الصغار من الدفاع عن أنفسهم تدفعهم إلى الشارع لتخفف عن نفسها عبء إطعامها.
في أحد المستشفيات المصنّفة جامعية، أنجبت طفلي الأول. ولشدّة تعلّقي المسبق به، قرأت عن كلّ ما سيحدث معي أثناء الولادة، ودور كلّ طبيب وممرّضة. هذا ما سيُحوّل الممنوع إلى مسموح في محاولة لتبرير أيّ تقصير قد يحدث حيالي أو حيال طفلي. بالفعل، حصل ما حصل، وصرت أجوب ممرّات المستشفى لأسأل الطبيب عن جرحي وحالتي الصحية، وأقف عند باب المصعد في انتظار وصول طبيب طفلي لأسأله عن ملف ابني الصحيّ، وأستفسر عن قراره بإبقائه فترةً أطول في المستشفى.
قرّر طبيبي أنه يحقّ له ما لا يحقّ لغيره في إجراء تعديل على الفاتورة. لماذا؟ دخلت المستشفى على حساب وزارة الصحة، ما يعني أنني سأوفّر مبلغاً معيّناً على نفسي، فأضاف: "مبلغاً وقدره" على فاتورة جانبية. أمّا طبيب طفلي، فقرّر الحضور لمرّة واحدة فقط، استعرض فيها بعض الأمور السريعة حول كيفيّة الاهتمام بالطفل. في اليوم التالي، لم يجد أي داعٍ للحضور وإبلاغي سبب إبقاء طفلي فترة أطول في المستشفى.
طبعاً، لم أمتثل للقرار. خرجنا أنا وطفلي وعلى مسوؤليتي الخاصّة. في هذا الوقت، تكفّل زوجي في استرجاع حقّنا من الفاتورة المُضافة علينا، من دون وجه حقّ. هكذا نلد في لبنان، كالقطط. هذا الشعور راودني بعد حديث عابر بيني وبين صديقتي عن شقيقتها التي أنجبت طفلها في بلد (يحترم مواطنيه)، وهو فرنسا. أخبرتني أنّ المستشفى تابعت حالتها وزارها ممرضون في بيتها بعد خروجها من المستشفى. فعلوا ذلك خلال فترة الحمل وبعد الولادة. وهذا كلّه على حساب الضمان الاجتماعي أو التأمين الذي تمنحه الدولة للمواطنين، أو لأي مواطن مُقيم ويعمل على أراضيها. هكذا تلد النساء في بلاد غير بلادنا.
وقد عادت إليّ هذه الصور وأنا أتفرج على مشاهد من مسلسلين تبثّهما قناتان لبنانيتان. عادة، لا أتابع التلفزيون حتى لا أرى العنف الذي تمارسه هذه الشاشات على المشاهدين. ولماذا يكون على الدوام مشهد الغنيّ والفقير عبارة عن احتضان الأول المتواضع للثاني، وهو يردّد عبارة نحن بشر أيضاً؟ حسناً. قد نتفهّم حضور الراقصة الدائم في الأفلام المصرية تعبيراً عن حاجة هذا المجتمع للإثارة. لكن ما حاجتنا لهذا التبرير الدائم لدور الأغنياء في هذا البلد؟ هل لدى المنتجين أو المموّلين دور في تبرير حياتنا وبحثنا عن لقمة العيش؟ وهذه مجرّد محاولة للفهم ليس أكثر.
سهام مصطفى - (العربي الجديد)