ردت القاع، أمس، مرة أخرى على الإرهاب الذي ضربها.
ففي اليوم الأول للتفجيرات الانتحارية، عاد إلى البلدة أهلها النازحون عنها إلى زحلة وبيروت سعيا وراء لقمة عيش وتعليم جيد يضن بها الإنماء المتوازن الرسمي المفقود على مساحة البقاع كله عامة، والشمالي منه خاصة.
عاد رجال القاع بعد ساعات قليلة من استهداف الانتحاريين بلدتهم ليؤكدوا أنهم وراء الدولة والجيش والقوى الأمنية لتبقى القاع حارسة الحدود، الحارسة التي أدت دورها باذلة دماء ابنائها لتفتدي بصدرها محيطها ومعه كل لبنان.
وأمس، ردت القاع على الإرهاب ايضاً.
تصرف أهلها ومحيطهم وكأن الانتحاريين خلف ظهرهم. خصصوا يومهم ومنذ الصباح لإقامة وداع يليق بمن افتدوهم. ساحة كنيسة مار الياس في الساحة الرئيسية افتتحت صباحها على أكاليل وصلبان الزهور البيضاء، فيما افردت واجهتها لصور الشهداء الخمسة. قاعة الكنيسة نفسها تهيأت لاستقبال المعزين الذين توافدوا من المحيط وخارجه، فيما جلست العائلات المفجوعة محاطة بأهل البلدة والمحبين والأصدقاء من مختلف المناطق.
ومنذ الصباح حضّر القاعيون سلال الورود والأرز على مصاطب دورهم، فيما اتشحت كل النساء بالسواد. ورود وأرز نثرا فوق الجثامين التي أعيدت إلى القاع عند الثالثة والنصف من بعد ظهر أمس.
وهناك في قاعة الكنيسة، عاشت البلدة والعائلات المفجوعة الحقيقة المرة: وداع خمسة من خيرة شبابها اندفعوا لرد الإرهابيين باللحم الحي والصدور العارية. وهناك، رقصت الأمهات بقمصان ابنائهن، وسألت الزوجات المفجوعات أزواجهن الشهداء عمن سيربي معهن الأبناء الذين أضحوا أيتاما، فيما أنشدت الشقيقات رديات الحزن وعتابا الفقد لأشقائهن. أما مَن حضر مِن الأبناء، ذكوراً وإناثاً، فقد غاب معظمهم عن الوعي لدى توافد التوابيت البيضاء التي حضنت عرسان الشهادة.
وفي القاعة نفسها، لم يكن من السهل تمييز افراد عائلات الشهداء عن بقية أبناء القاع. بدت كل أم في البلدة أم شهيد، وكل صبية أخت شهيد وكل فتى وفتاة أبناء الشهداء. أما الأباء، أولئك الذين بكوا كالأطفال على جثامين ابنائهم، لم يكونوا يتوقعون للحظة أن يواروا فلذات أكبادهم في الثرى، عادة ما يطمئن هؤلاء إلى أن لمسة يد الأبناء هي التواصل الاخير الذي يتلقونه في موتهم: "مين بدو يدفني يا بيي"، عبارة حملت حرقة أحد الأباء وسمع صداها في كل القاعة.
وفي ساحة الكنيسة، وزع أهالي القاع بعفوية الأدوار في مراسم الوداع: انخرط الشبان والشابات في اللجنة التنظيمية للتشييع، فيما انتظر الرجال الجثامين التي حملوها ورقصوا فيها في باحة الكنيسة في جولة الوداع الأخيرة. أما نساء البلدة، فلم يتعبن من نثر الأرز والورد من الطريق إلى داخل قاعة العزاء.
وكانت الغصة غصتين مع منع العائلات من فتح التوابيت لإلقاء النظرة الأخيرة. وجاءت ضربات الأكف على التوابيت الخشبية تعبيراً عن حرقة القلب التي اعترت الأمهات والزوجات والأخوة والأبناء والأقارب ورغبتهم في رؤية احبائهم للمرة الأخيرة.
قبل الخامسة بقليل نقلت الجثامين من قاعة الكنيسة إلى صالونها الرسمي المخصص لإقامة الجناز الديني. ومع قدوم الرجال لحمل التوابيت علت الصرخات وفقد كثر وعيهم من الأبناء والأمهات وعمل الصليب الأحمر على إسعافهم. ومع أهالي البلدة انتقل القادمون من البلدات المجاورة إلى صالون الكنيسة لرفع الصلاة عن أرواح المغادرين.
مثل النائب اميل رحمة رئيس مجلس النواب، ووزير السياحة ميشال فرعون رئيس مجلس الوزراء، ومن أبرز الحاضرين السفير البابوي غابريال كاتشا بالاضافة الى شخصيات رسمية وسياسية وحزبية وعسكرية واجتماعية ومحلية.
في الرقيم البطريركي الصادر عن بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام الموجود خارج لبنان، تشديد على وحدة الصف وترحم على أرواح الضحايا الأبرياء.
أما راعي أبرشية بعلبك للروم الكاثوليك المطران الياس رحال فقد أكد في كلمته "أننا سنبقى في هذه الأرض ولن نتزحزح ولو قدمنا 100 شهيد في اليوم. هذه أرضنا، أرض القداسة وصخرة المحبة ونعيش فيها بمحبة تامة وبانفتاح تام مع أهلنا في محافظة بعلبك الهرمل"، وخاطب الشهداء: «سنحمي ترابكم وقبوركم حتى الموت، ولن يرهبنا لا تكفير ولا تفجير"، مشددا على "ضرورة إغلاق الثغرات التي يتسلل منها الارهابيون، وأن تكون مشاريع القاع منطقة عسكرية تامة لكي لا تتكرر هذه الفاجعة".
وشدد كاتشا في كلمته على التمسك بالمحبة وعدم الانجراف الى العنف، وطلب من الرب "أن ينظف قلوبنا من الشر، ومن العذراء مريم أن تعطينا الإيمان الحقيقي".
(سعدى علّوه - السفير)