تَغرز والدة أحد المخطوفين عكازها أرضاً وكأنها تعتصر سنوات عمرها بيديها. تتقدم ببطء، وقد اتشحت بسوادٍ مؤلم كسرت حدّته عينان زرقاوان وشعر مبعثر أشقر. وهي تعتلي السلالم للوصول إلى القاعة، حيث تُحيّي اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة أهالي المخطوفين والمفقودين والمخفيين قسراً ذكرى اليوم العالمي للمفقودين، يهبّ كثيرون لمساعدتها. إلا أنها تأبى السماح لهم بلمس "كنزِها". تجلس وتحتضن الكنز المُخبّأ في كيسٍ أبيضَ اللون. تصرخ بين الحضور: "وين المسؤولين؟ أنا معي وثائق خليهم يشوفو".
تُخرج السيّدة السبعينية من الكيس "كدسة" أوراقٍ قديمة. ترفعها عن بعضها البعض وتنفض عنها غبار الذكرى المؤلمة. تحاول ترتيبها فتهمس: "هيدي الورقة من الحزب.. وهيدي شهادة ولادته.. هيدي انا كتبتها يوم للي انخطف.. هيدي شهادته بالجامعة». تعرض ما تملكُه من معلومات عن ابنها على كل من يجلس حولها، من دون مللٍ.
يقف على مقربة منها ابنها البكر جورج. نسأله عن حالها، فيجيب بحرقة: «لا أستطيع ثنيها عن البحث عنه برغم مرور أكثر من أربعين عاماً على اختفائه. العلاقة مع أمي تغيّرت كثيراً. أذكر أنه كلما كانت تطبخ لنا، كنا نأكل دموعها مع الطعام لأنها لم تتوقف يوماً عن البكاء".
حتماً، ليست والدة جورج وحدها من يتلوّى وجعاً. مثلها تعيش نحو 3500 عائلة فقدت أحباء لها في الحرب الأهلية. تسلح معظم أهالي المخطوفين بوثائق ومستندات وصور عن المخطوفين، عملوا على جمعها طوال سنيّ انتظارهم. بالنسبة لهم يمكن الاستعانة بها لالتقاط طرف خيط في القضية. لم يستكن هؤلاء. فعلوا ما عجزت ورفضت الدولة القيام به. وقد يكون هذا أكثر ما يُضاعف معاناتهم.
كان كافياً الاستماع إلى أحاديثهم أمس، لمعرفة حجم الامتعاض من السلوك الحكومي تجاههم، والتأكد من فقدانهم الثقة بالدولة ووعودها. طالب شقيق أحد المخطوفين بإزالة العلم اللبناني من على المسرح، قائلاً: «نحنا ما عنا دولة، بكفي نضحك على بعض»، سائلاً: "ألا تعرف دولتنا المصون أنه بتاريخ 14 آب 1976 اختُطف نحو 6 آلاف شاب لبناني من منطقة تلّ الزعتر وسُلّم 700 من بينهم إلى إسرائيل؟ هل تريد حكومتنا أن نأتي بأسماء الخاطفين فرداً فرداً؟". ما كاد الرجل يُكمل سيل الأسئلة حتى قاطعه آخر قائلاً: "الدولة مش عارفة تهتم بالموجودين بدها ترجّع المخطوفين!". ثم تدخلت إحدى السيدات متوجهةً نحو نائب رئيس البعثة الدولية للصليب الأحمر ماركو سوتشي بالقول: "نريد منكم أن تمضوا قدماً بالملف.. الدولة دايرة الطرشة وقد ما صرّخنا ما رح تسمع".
وحدها رئيسة لجنة المخطوفين وداد حلواني أعادت الهدوء إلى القاعة وصوّبت البوصلة. خاطبت الأهالي الذين تعاقبت عليهم عشرات المناسبات العالمية تقاسموا فيها الوجع والغضب والشوق نفسه، قائلةً: "نحن ما زلنا وسنبقى معاندين، لن نرمي قضيتنا في البحر ولن يكوينا ملحه ولن "نُبلّطه"، بل سنردد على مسامع حُكامنا ودولتنا التي لا يُمكن للصليب الأحمر الدولي فعل أي شيء من دون قرارات صادرة عنها، أن فعل الاعتراف يفترض فعل التنفيذ، وكما اعترفتم بحقنا، عليكم تنفيذ الحلّ البديهي لتحقيق العدالة لنا".
لقراءة المقال كاملا
اضغط هنا.
(ساندي الحايك - السفير)