المشي وتأمل الابنية على الجانبين من ساحة التل الذي يعتبر وسط طرابلس نحو عمق الأسواق الداخلية في المدينة القديمة، فضلا عن كونه هواية ممتعة لمن يرغب بالتأمل بجمال الهندسة المعمارية لمدينة ضاربة عميقا في التاريخ، يشبه الى حدّ بعيد عبور معاكس في الحقبات الزمنية، فأبنية ساحة التل وأزقتها الخلفية أشبه بالاحياء الباريسية الضيقة كون بنائها يعود لعصر الانتداب، فيما ساعة التل تبدو إستثناء لكون السلطان العثماني عبد الحميد أهداها لأهالي طرابلس وهي المعلم الابرز في المدينة، توغلا في ذلك الشارع العريض يوصل الدرب إلى "السراي العتيقة" حيث تشير هندسة الأبنية رغم التشوهات إلى الحقبة العثمانية قبل الولوج من نقطة السوق العريض إلى عمق المدينة المملوكية المتكاملة.
للسوق العريض حكاية مختلفة، إذ إتخذ تسميته كون الاهالي وقفوا بوجه الجرافات ومنعوها من إستكمال عملية هدم الاثار ومحوها بحجج فتح طرقات واسعة نحو القلعة الاثرية، ويروي الاهالي بحسرة عن إختفاء سوق النحاسين الذي كان يقع عند نقطة السوق العريض حاليا صعودا نحو تقاطع نهر أبو علي الشاهد على أكبر عملية تشويه عمراني في طرابلس، حيث قضت الخرسانات الباطونية على شكل النهر المتعرج حتى المصب في البحر، وأمعن بالتشويه سوء تنفيذ مشروع الإرث الثقافي الذي بوشر العمل فيه منذ 13 عاماً وهو متوقف عن التنفيذ راهنا، ويعد بمثابة كارثة حقيقة يصعب معالجتها في قلب طرابلس.
قبيل الوصول للسوق العريض عند مفترق العرائس تسرع المهندسة سارة حسون من خطاها للوصول إلى الورشة حيث يقوم القطاع الانمائي بجمعية "العزم والسعادة" هناك بعملية ترميم شاملة شارفت على نهايتها، حيث من المرجح أن تتوسع المبادرة لتشمل كل الاسواق الداخلية كي تستعيد رونقها الذي لطالما تميزت به، فطرابلس كما عَهدَها قاطنو الاقضية المحيطة وكل اللبنانين هي "أم الفقير"، والتسمية أتت من جراء الحركة التجارية الناشطة ماضيا، ويحرص المشرفون في القطاع الانمائي في خطتهم بعمليات التأهيل والترميم على إستعادة هذا الدور عبر مشاريع التأهيل الجارية حاليا لتصبح أسواق طرابلس تحفة معمارية متكاملة.
المهندسة الشابة حسون تشرح بحماسة ملفتة عمليات الترميم وفق الاصول العلمية الصحيحة، أي إعادة الاثر التاريخي كما بني تماما، وتضيف قائلة: "شملت عمليات التأهيل والترميم في السوق ترميم واجهات الابنية على الجانبين وبالتالي كشف الجدران ومعالجة الحجارة ومن ثم إعادة عمليات الطلاء بالكلس وفق ما كانت تتم عمليات البناء حينها، ربما الصعوبات تكمن بأن السوق العريض غلبت شهرته التجارية على قيمته التاريخية والاثرية، فغالبية المتسوقين ربما لا يدرون خصائص قصر عدرا في وسط السوق أو البناء المجوار والذي يضم شرفات من العصر العثماني هي بغاية الجمال أو حتى المشربية الفريدة عند أول السوق"، وتضيف: "حاولنا في عملية التنفيذ أن نعيد السوق كما كان رغم كثرة تناقضاته العمرانية، فمقابل الواجهة التاريخية من الجهة الاخرى تكمن الابنية الحديثة فعمدنا لتوحيد الوجهات والابواب كما أضفنا الرفاريف لنزيد من الطابع الجمالي".
وتختم المهندسة حسون حديثها بالقول: "خطتنا الاعمارية لا تنحصر بعمليات ترميم وتأهيل فحسب، بل تحويل هذه الاماكن لتحفة عمرانية نابضة بالحياة لا تقل شأنا عن أسواق إسطنبول المتشابهة جدا بأسواق طرابلس أو آثار روما من حيث العظمة التاريخية لكون عمر طرابلس يتجاوز 3500 عاما، ما يحملنا أعباء ثقيلة مسؤولية تاريخية بكيفية المحافظة على الكنز الاثري النفيس في طرابلس".
(طرابلس – "لبنان 24")