نطلق الحراك المدني في المنية منذ أسابيع بمباردة شبابية من الناشطين الإجتماعيين في المنطقة، وجاءت إنطلاقته كردّة فعل على تفاقم أزمة الكهرباء حينها، فطفح الكيل وارتفع الصوت بعدما ساد الصمت، وولد الحراك من رحم المعاناة والتأزم عى صعيد الوطن بشكل عام وصعيد المحلَّة بِشكل خاص، إذ أنّ الحراك أو بالأحرى الشباب المنضوين إليه، آثروا على أنفسهم العمل على تحقيق مكاسب على صعيد منطقتهم التي تعاني ما تعانيه من حرمان وتهميش بسبب تقصير وإهمال المسؤولين عنها قبل الغوص بالملفات الوطنية كمحاربة الفساد وتغيير النظام السياسي .
لكن هل استطاع الحراك أن يحقق أيّ مكسب على هذا الصعيد؟ وهل سيتمكن الحراك من إثبات حضوره وفرض نفسه رقماً صعباً مع ضمانة استمراريته وديمومته؟
إذا أردنا التحدث بميزان الربح والخسارة، فالإنجاز الأول والأهم في مسيرة الحراك هو "ولادة الحراك"، نعم فمن يتابع تفاصيل المنية وقضاياها يُقَدِّرُ هذه الولادة ويعرف أهميتها والإنجاز الكبير الذي حصل، لأنّه ليس من السهل أن يخرج شيء في المنية يعبر كل العشائر والتركيبة السياسية كما حصل، وهذا العبور يعيدنا فوراً إلى انطلاقة الحراك المدني على صعيد لبنان وفي بيروت تحديداً الذي شكل بدوره حركة عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق والتحزب الضيق وكانت الغلبة للطابع المطلبي الجامع، وفعلاً هذا ما حصل في المنية لكن بصورة أخرى وقد دفع إلى كسر حواجز الخوف والمطالبة بالحق ولو على نفس "العشيرة"، وقد استبشر الشباب خيراً بولادة الحراك وتيقنوا أن التغيير حاصل لا محالة وأن المنطقة سوف تسلك هذا السبيل عاجلاً أم آجلاً.
وأيضاً في ميزان الإنجاز، نبقى ضمن إطار التركيبة فقد حقق الحراك ما لم يتحقق في المنية قبل اليوم إذ ضم الحراك في تركبيته العنصر النسائي وتُعتبر المرة الأولى التي تشارك فيها المرأة مع الرجل بالعمل العام المناوي، والحراك أصر على وجود هذا العنصر ليحضر المجتمع بنصفه الثاني و ما للمرأة من دور هام وريادي في بناء مجتمع سليم. وهكذا تكون تركيبة الحراك وولادته قد اكتملت ظاهرياً وبات جاهزاً للعمل بما يحتويه من نقاط قوة وصلابة، مع توفر البيئة الحاضنة له عبر الرأي العام الذي يستطيع التأثير عليه وتحريكه لمصالحه بسهولة لأحقية المطالب التي تعني الصغير والكبير في المنية وفيها مصلحة المنية العامة.
ولابدّ لنا في معرض حديثنا عن الحراك أن نسلّط الضوء على سلوكه منذ انطلاقته وحتى اليوم، فالغالب الآن أنّه لا يستغل نقاط القوة التي يتمتع بها ولا يستطيع تطوير إنجاز الولادة إلى إنجاز التربية أو بالأحرى لم يستطع الإنتقال من التعبير إلى طريق التغيير، فالحراك اليوم شبه مُهَدّد بالإنهيار أو حتى لانكون متشائمين ونبالغ بالقول نقول أنه سيتحول إلى عنصر تقليدي في تركيبة المنية المُقيتة يصول ويجول دون أي جدوى، فهو حتى الآن لم يتمتع بالدينماكية المناسبة التي تمكنه من فتح ملف مُعين ومتابعته بإستقلالية تامة حتى الوصول به إلى الخاتمة المَرجُوَّة، حيث أن كل خطواته وتحركاته السابقة أتت كردة فعل على أزمات ثبُتَ أنها مُصطنعة من السلطة لإهداء الفوز وتتويج هذا أو ذاك والحراك يقف مُتفرجاً أو يصل متأخرا لأنّه بالأساس تحرك في المكان والزمان الخاطئين وليس لديه رؤية واضحة ومنهجية معتمدة في التعاطي مع أي ملف يطرحه والحري به أن لا يتعامل أبدا مع أي ملف يسقط من الهواء فجأة لأنّه سيكون مشبوهاً حتماً وفخ من المتربصين بالحراك الذين لا يريدون الإستمرارية له، وكوننا تطرقنا بالحديث على الأفخاخ لابد من ذكر الفخ الأكبر الذي وقع فيه الحراك وربما كان ضربة قاسية وموجعة له كادت تقضي عليه، وهذا تجلى عندما سمح لنفسه بالتعامل المطلق والمفتوح مع السلطة الداخلية في المنية من مسؤولين وفعاليات وماشابه ذلك فبهذه "الدعسة الناقصة" أدخل نفسه في متاهات وتفاصيل هو في غنى عنها، والأفضل له بل الواجب عليه أن يعمل بإستقلالية تامة وليكن موقفه صلباً مع الجميع فلولا تقصير المسؤولين وعجزهم الفاضح لما وُلد هذا الحراك ، واليوم ليس مقبولا ولا مسموح أن ينضم الحراك لهذه التركيبة الفاسدة لأنها ستفسده وتُغرقه بالنفاق والكذب الخداع وستجعل منه شريكا لها، وليقف الحراك وقفة جرأة و رصانة وليضع كل شخص عن مسؤوليته وليتحمل كل مذنب ما اقترفت يداه بحق المنية.
إذا أراد الحراك لنفسه الإستمرارية بقوة وبشكل دائم بالنمط الجديد الجدّي القادر، عليه أن يتخلى عن المسايرة فلا مداهنة مع الباطل، والحق معلوم أنه يُنتزع ولا يُعطى، وقد ثبت للجميع أنه في لبنان لا ينفع أسلوب اللين والرخاء مع أي مسؤول وكذلك هو الحال في المنية لأنها جزء من لبنان وتركيبته، فليكن الحراك مصدر تهديد لكل من يقف ضد مصلحة المنية ويقف عائقاً أمام إنمائها كائنا من كان وإذا لم يستطع ذلك فإعلان وفاته أفضل بكثير من أن يغرق في مستنقع الوعود والإستغلال.
إذاً، على الحراك أن يحصن نفسه ويضع رؤية شاملة وواضحة على كافة الأصعدة ولابد من إتمام الأمور التنظيمية لأن قِلة التنظيم ستؤدي إلى الفشل لا محالة، فليهيئ نفسه تنظيميا وداخليا لفتح ملفات بشكل مستقل عن أي مسؤول أو سياسي في المنية وذلك عبر وضع برنامج مراحلي يتضمن الأولويات التي سيتبناها وفرز لجان متخصصة لها لتحريكها بالشكل السليم وعلى أساس العقل والمنطق وإلا سيصبح الحراك مطيّة لهذا أو ذاك ليتسابقوا على قطف الثمار وتركيب النجوم لأنفسهم .
كلامنا ليس تهجما على الحراك بل هو من باب التصويب لأنّنا كغيرنا من الشباب نضع كل آمالنا في فسحة النور هذه وعيوننا تبرق بالأمل نحوه ولا نريد للحراك أن يخيب آمالانا ونحن على ثقة بأنّه قادر إذا عقد العزم وأراد.
(عبد القادر أحمد الدهيبي)