مشى غازي عاد في رحلته الأخيرة، والقضية التي نذر حياته لأجلها لأكثر من نصف قرن لم تصل الى خواتيمها بعد. "للأسف، راح، ولم يحقق حلمه وحلمنا جميعاً"، يقول رئيس "لجنة المعتقلين السياسيين اللبنانيين المحررين من السجون السورية" علي ابو دهن بأسى. لا يسعه اليوم إلا أن يتقدم بالتعازي من الشعب اللبناني كلّه: "اسم غازي عاد يسبق أي لقب. هل من لا يعرف من هو هذا الرجل الذي التصق اسمه باسم كلّ معتقل ومغيّب ومفقود في السجون السورية؟ هل ثمة من لا يعرف أن غازي عاد قرن اسمه بقضية إنسانية، اعتبرها السياسيون خاسرة ، لكنها كانت دائماً رابحة بنظره وبنظر المعتقلين وأهاليهم؟".
يعجز ابو دهن عن التعبير لدى الحديث عن رئيس "هيئة دعم أهالي المعتقلين في السجون السورية" (سوليد) غازي عاد الذي توفي أمس بعد أن استعصى عليه المرض. " استرجع الله أمانته"، يقول في حديث لموقع "لبنان 24"، ويلفت الى ان "هذا المناضل الذي تخطّى كلّ أوجاعه الجسدية ومشقّات هذه الحياة، لم يترك باباً إلا وطرقه متحصناً بالحق وحده في خدمة هذه القضية الانسانية".
لم يكن عاد معتقلاً في السجون السورية، ولم تمسّ هذه المعاناة أحداً من عائلته، لكنه انطلاقاً من الحسّ الإنساني حمل هذه القضية وتبناها وقضى سنوات في ساحات النضال المحلية والعالمية. بات فرداً من كلّ عائلة تحيا بألم على وقع أمل معرفة مصير ابن أو أخ أو زوج أو أب...
كان يغرق في حزن شديد كلّما رحلت أم أو زوجة أو شقيقة قبل شفاء القلب بخبر أو معلومة عن مفقودينهنّ...اليوم، يبكي الجميع هذا الرجل الذي لم يتسنّ له الوقوف أمام خيمة الاعتصام الصامدة في بيروت، فيخاطب الملوّعين (ات) قائلاً: انتصر الحق. انتصرت الحقيقة!
عاد غازي اذاً، وهم لم يعودوا. لكنّ القضية ما زالت هنا حيّة ترزق. يقول ابو دهن:"اليوم وككل يوم، نناشد ونطالب رئيس الجمهورية، بيّ الكلّ كما وُصف، بالعمل الجادّ على ايلاء هذه القضية الأمّ والأسمى الأهمية الأولى. على الدولة اللبنانية أن تتحرك وفق الأصول الديبلوماسية فتستدعي السفير السوري في لبنان للمطالبة باستفسار رسمي وكشف مصائر 628 معتقلا ما زالوا متواجدين في السجون السورية بحسب ما هو موّثق".
هذا العدد الذي يتحدث عنه ابو دهن موّثق لكنّ السلطات السورية ما عمدت يوماً إلى الاعتراف به، بل بكلّ هذه القضية. "من جهتها، لطالما أساءت الدولة اللبنانية لهذا الملف جراء تقصيرها واهمالها"، يضيف ابو دهن متأسفاً ايضاً لعدم القدرة على تقديم شكوى دولية ضدّ النظام السوري باعتباره مرتكباً جريمة حرب، "لأن هذا الأمر مكلف جداً".
لن "يغصّ" النظام السوري بجريمة حرب أخرى تضاف إلى سجله الحافل بجرائم أشنع طالت الشعب السوري كلّه، لكنّ هذا الإنكار الوقح لجريمة مثبتة بأكثر من دليل، هو فعلاً ما ليس مفهوماً!
يخبر ابو دهن انه التقى صدفة منذ حوالى الشهرين (أيلول الماضي) أحد السجناء في خلال مشاركته بمؤتمر دولي. ليس هذا "المُفرج عنه" لبنانياً، بل إنه سوري الجنسية، لكن رؤيته كانت كفيلة ببثّ جرعات إضافية من الأمل، ليس بكشف مصائر المفقودين اللبنانيين (احياء او اموات) وحسب، بل أيضاً بعودتهم سالمين. فهذا السجين قضى 27 عاماً في الزنزانة، وسرعان ما تذكره ابو دهن أول ما رآه (كانا معاً في خلال العامين 87 -88). نعم، بعد أكثر من ربع قرن، خرج هذا الرجل الى الحرية في العام 2013!
لم يكن لدى الرجل أي معلومات عن المفقودين اللبنانيين، سوى معلومة واحدة تفيد بأنه تمّ نقلهم الى مكان آخر (فرقة 38 بقيادة علي المملوك) وذلك في العام 2011.
منذ ذاك الحين، لا أخبار جديدة عن المغيّبين. يذكّر ابو دهن بخروج أحد اللبنانيين من السجن في العام 2010، أعقبه آخر في العام 2012، لكنّ اي منهما لم يكشف معلومات وحقائق، طبعاً لأسباب مفهومة!
كلّ هذا يقود الى الأمل، برأي أبو دهن الذي اختبر الجلجلة في زنزانات النظام السوري. الأمل بعودة اللبنانيين الى الحياة...وإن لم يكن فلتستعاد رفاتاتهم بكل كرامة، ولتسترح القلوب.
صحيح أن الغائب هو الحلقة الأهمّ وأصل المعاناة، لكنها أيضاً تنسحب على افراد عائلته في كلّ شؤونه وتفاصيل حياته اليومية. فكم من زوجة وأولاد لا يستطيعون حصر ارث او بيع عقار او مبنى وما الى هنالك من امور مستعصية بسبب هذا الواقع!
في لجنة المعتقلين السياسيين اللبنانيين المحررين من السجون السورية، هناك أكثر من 700 عضو. بحسب او دهن، توفي حتى الساعة 13 شخصاً في ظروف مأساوية:"أي منا لم يحصل على تعويضات أسوة بالمحررين من السجون الاسرائيلية، علماً بأن هناك مشروعي قانون قد قُدما في العام 2008 و2009 (من قبل القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ)، لكنهما في الادراج ساكنين منذ العام 2013".
المأساة ثلاثية الأبعاد وفاضحة، اذاً. تراها العيون المجرّدة، لكن العمى اصاب الدولة اللبنانية. سيظلّ المعنيون متمسكين بالحق والأمل والنور، خلاصة موقف أبو دهن الذي يكرر مطالبته باستدعاء السفير السوري كخطوة أولى.
أما عاد الذي عجز عن المشي بسبب حادث سير تعرّض له، فقد كان يمشي طوال مسيرة النضال وحتى لحظة فراق الجسد. وأما اسلطات اللبنانية التي كانت تهرول وراء محاصصات وفساد وحروب، فكانت مشلولة، وما زالت...الى أن تثبت العكس!