قبل أعوام قليلة، عددها لا يفوق عدد اليد الواحدة، كان إحياء اليوم العالمي للاجئين يتركّز أساساً على الفلسطينيين، لا سيما في دولّة مثل لبنان. ومعهم، كانت تثار قضايا كقضايا بعض السودانيين والعراقيين الذين رماهم سوء حظّهم في لبنان الدولة التي لا تعترف بحق اللجوء.
اليوم، بات اللجوء يعني أساساً السوريين، ومعهم العراقيين، والليبيين، واليمنيين، الذين يهيمون بحثاً عن أرض تؤويهم في انتظار نهاية مآسٍ مقدّر لها أن تطول. أمّا اللجوء الفلسطيني، فكما فلسطين ذاتها، أضحى من «الثوابت» التي لم يعد هناك من يذكرها. للأسف...
ما زالت فاطمة تقيم على الرصيف في شارع الحمرا منذ ثلاث سنوات.
كبر أطفالها الأربعة، بينهم ثلاثة في عمر المدرسة، لكنها لا تستطيع إرسالهم إليها، فهي لا تملك بدل نقل لهم، حتى لو كانت المدرسة مجانية. كما لا يوجد من يقيم معهم في المنزل لدى عودتهم، فزوجها يعمل في نقل حجارة البناء عندما يجد إلى ذلك سبيلا.
لا تعرف فاطمة التي نزحت من جسر الشغور في بداية الحرب متى سيتغير حالها، لكن ما تعرفه هو أنها تحولت مع أطفالها إلى واحد من معالم الشارع، هي ونساء كثيرات. ساعة تراعي القوى الأمنية وضعها، وساعة يخطر في بال أفرادها تنظيم الرصيف، فيطردونها من مكان تجلس فيه إلى مكان آخر.
لم تعد الشدّة تقتصر على الفقراء السوريين، إذ تؤكّد المسؤولة الاعلامية في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، دانا سليمان، إن الحرب باتت تأكل الطبقة الوسطى، مشيرة إلى اجتماعها قبل أسبوعين مع أمّ سورية أخبرتها أنه كان لدى عائلتها أملاك ومعمل في سوريا، اختفت كلّها.
وتوضح سليمان أن هناك أشخاصا يعتمدون بشكل كلي على المساعدات الغذائية.
قصّة، قصّتان، مئات القصص، آلاف القصص، مئات آلاف القصص... التي لا يجوز الحديث عنها بالكلام العشوائي، أو المنحاز، أو المضخّم، مثل: أصبح السوريون كلّهم «داعش»، وقدّ سيطروا على الاقتصاد اللبناني، وهم يعيشون على حساب «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين»، ويجب طردهم كي لا يتحولوا إلى بؤر أمنية خطيرة، وعلى العرب أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في رسم خريطة توزّعهم الجديدة في المنطقة.
ومثلما لا يجوز التعميم، فإنه يستحيل درس كل حالة بمفردها ومعرفة وضعها. ولكن، وفي الحالتين، يستمر إطلاق التهم والأوصاف و»فش الخلق»، والانحياز سلباً أو إيجاباً.
عندما تراجع عدد النازحين، بدأ كلام من نوع آخر: إنهم يستغلّون تراجع عددهم، من أجل رفع أجورهم، ولم يعد العامل السوري يرضى بأجر يومي أقل من خمسين ألف ليرة. ولم نعد نعرف بالتالي إذا كان المجتمع اللبناني يحتاج إليهم فعلا أم أنّهم يشكلون فائضا يسيطر على الاقتصاد بسبب رخص العمالة السورية.
ومع ذلك، تبقى هناك حقائق ثابتة، ثلاث منها على الأقلّ.
الحقيقة الأولى هي التي أعلنتها الأمم المتّحدة وتقول إن النازحين السوريين يشكلون حالة النزوح الأكبر في تاريخ البشرية.
الحقيقة الثانية، هي التراجع الفعلي لعدد النازحين في لبنان، لا سيما بعد قرار الحكومة اللبنانية منع دخول أي سوري للإقامة إلا بعد تأمين كفيل لبناني له.
أمّا الحقيقة الثالثّة، فهي تراجع حجم مساعدات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بنسبة ثلاثين في المئة، بسبب نقص التمويل الدولي.
وبحسب لوائح التسجيل لدى المفوضية، يبلغ عدد النازحين إلى لبنان مليون ومئة وأربعة وسبعين ألفا وستمئة وتسعين نازحا. وتقول دانا سليمان إن العدد ربما نقص، بسبب مغادرة سوريين إلى بلادهم، لكن، بالتأكيد، لا توجد زيادة في العدد.
في المــقابل، يقول وزير الشؤون الاجتماعية رشــــيد درباس لـ «السفير» إن عدد النازحين يبلغ مليون وخمسمئة ألف نازح، وعدد المخيمات ألف وثلاثمئة مخيم.
ويوضح درباس أن طلب الحكومة من المفوضية العليا وقف تسجيل النازحين لديها جاء بعد قرارها عدم استقبال نازحين جدد، مشيرا إلى أنه لم يعد يوجد في المناطق الحدودية مع لبنان سكان مدنيين، وبالتالي فإن فتح الحدود سوف يعني تدفق المقاتلين أو الذين يأتون من المناطق البعيدة. إلّا أنّ سليمان تشدّد على أهميّة التسجيل وضرورته لأنه يساعد الحكومة على تحديد عدد النازحين على أراضيها، كما يساعد في استفادة العدد الفعلي منهم من مساعدات الدول المانحة.
أما الكفالة التي يترتب على العامل السوري الحصول عليها من رب العمل، فهي موضع رفض لدى المدافعين عن حقوق الانسان الذين يرون فيها نوعا من العبودية، بوصفها تفرض على العامل الخضوع لرب عمله، وهي بدعة خليجية، تسري أيضا ظلما على عمال المنازل.
أمّا بالنسبة للتمويل، فتقول سليمان إن نسبة التمويل بعد النداء الأخير للمفوضية والحكومة اللبنانية، بلغت سبع عشرة في المئة من قيمة المبلغ الإجمالي الذي ورد في النداء، أي ما يقارب ثلاثمئة وواحد وسبعين مليون دولار من أصل مليارين ومئة ألف دولار خاصة بلبنان.
وتؤكد سليمان على وجود شح كبير حاليا في التمويل. لذلك تعطي المفوضية المساعدات كل شهر بشهره لأنها لا تعرف ما الذي سيحصل في الشهر الذي يليه. ومعلومٌ أن تعدد الأزمات في العالم يؤثر في المساعدات المقدمة للنازحين في لبنان بينما الاحتياجات كبيرة جدا، وتأمل سليمان بأن تزيد المساعدات حتى نهاية العام.
من جهته، يقول الوزير درباس إن الدول المانحة بدأت أصلا بالشكوى من أنها تعبت، والأمر الخطر هو تراجع عدد الدول المانحة، مذكّراً أنّه في مؤتمر الكويت للمانحين، «طلبت الدول التي تستقبل النازحين ثمانية مليارات دولار، أقرّ منها ثلاثة مليارات وثمانمئة مليون دولار، لكل من تركيا والعراق ومصر وسوريا ولبنان، قدمت الكويت وحدها مليار دولار منها، والولايات المتحدة خمسمئة مليون دولار والاتحاد الأوروبي خمسمئة مليون دولار، وألمانيا ثلاثمئة وخمسين مليون دولار، أما باقي الدول فقدمت أموالا ضئيلة، هي عبارة عن عشرة وخمسة آلاف دولار لكل منها».
ورأى أن الكلام عن مساهمة المساعدات في تحريك الاقتصاد اللبناني هو كلام في غير محله.
وإذا كان لا أحد يعرف متى ستنتهي الحرب في سوريا، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية بدأت مشروع مسح الوجود السوري في لبنان، بهدف تحضير داتا وطنية، تعرف من خلالها أعداد السوريين ومناطق توزعهم، ومدى تأثيرهم في الوضع اللبناني.
امّا مفوضية اللاجئين، فتتابع مع الدول الأجنبية برامج توطين النازحين في دول ثالثة (غير البلد الأصلي وبلد النزوح)، على غرار البرنامج الألماني من أجل التخفيف قليلا من الأعباء.
وتشير تقديرات المفوضية إلى واحد من كل عشرة نازحين يحتاج إلى إعادة توطين. وقد ناشد المفوض السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس الدول المؤهلة للتوطين ضمان إعادة توطين مئة وثلاثين ألف نازح سوري للفترة الممتدة بين العامين 2014 و2016 . وتسعى المفوضية في لبنان إلى إحالة تسعة آلاف نازح لاعادة التوطين خلال العام الجاري، أو السماح لهم بالدخول إلى بلدان ثالثة لأسباب إنسانية، فيما وصلت التعهدات الخاصة بلبنان إلى أربعة آلاف وستمئة نازح حتى هذا التاريخ، بعد أن تمت إعادة توطين أربعة آلاف وتسعمئة نازح خلال العام الماضي.
قصص. مئات القصص. آلاف القصص. مئات آلاف القصص. ملايين القصص، في تفاصيلها تضيع سوريّا، ويُشتت السوريون، ويبقى اللبنانيون على غفلة مما يحاك من تاريخ على أرضهم. فالتجهيل المتعمّد، كالإهمال، أشدّ ظلماً من القتل.
(زينب ياغي ـ
السفير)