التاريخ يتساقط في كل مكان، يتناثر (وأحيانا دموياً) في كل مكان. هل يعني هذا ان تتساقط حجارة قصر المختارة او ان تتناثر؟...
في أوساط الجبل ان ازمة وليد جنبلاط تختزل بكلمتين هما... وليد جنبلاط. كيف يمكن ان يكون كل هذا؟ المثقف العابر للثقافات، شيخ الطائفة العابر لكل الطوائف، امير الجبل العابر لكل الاودية ولكل السهوب، استاذ الحداثة بسلطة القرون الوسطى. اخيراً... شيخ القبيلة!
في اللقاء الاول بعدما تسلم الزعامة، قدمت له مجلة فرنسية نشرت مقابلة فلسفية رائعة من النوع الذي كان يستسيغه كمال جنبلاط حين كان يجمع كتاب جريدة «الانباء»، وكنت منهم. ابو تيمور اشاح المجلة بيده «لا يعنيني كل هذا»....
لم يكن احد يتصور ان ثمة يداً يمكن ان تمتد الى كمال جنبلاط الذي بشفافية الطيف وبعمق كونفوشيوس وبرؤيوية المهاتما غاندي، لكن التاريخ في المنطقة (ذلك التاريخ الاحمق بالايدي الملطخة) يقتل رجاله. السياسية في لبنان لم يكن لتحتمل رجلاً مثل كمال جنبلاط...
هل اراد وليد جنبلاط ان يكون الاخر؟ لاحظ انه لا ليونيد بريجنيف ولا انور السادات، ولا حتى الانكليز الذين طرحوا انفسهم كحماة للدروز في القرن التاسع عشر، حموا الاب. القبيلة هي التي تحميه. لذلك قال لنا ان اهتمامه يتمحور «الان» على قبيلته....
هنا البعد التراجيدي (البعد الاوديبي؟) في شخصية وليد جنبلاط. لولاه كم تبدو السياسة جافة، بل وقاحلة. اسألوا ما يقوله... ابو مصطفى!
يا للهول! وليد جنبلاط توجه مغرداً الى انصار دونالد ترامب. في الواقع هو يتوجه الى نفسه، بالقول «ان لبنان بغنى عن القرار 1559 وما جلب من ويلات على البلد».
يا جماعة، وليد بيك هو الذي قال ذلك. اين الصرخات المدوية في ساحة البرج؟ البندان الرئيسيان في القرار ينصان على الخروج السوري من لبنان وعلى حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية (والمقصود تحديداً «حزب الله») ونزع سلاحها...
لولا وليد جنبلاط هل كان لـ«ثورة الارز» ان تقوم؟ احدهم في 14 اذار قال لنا «ولولاه لما تناثرت ثورة الارز». اخذ عليه الانتقال الراقص، والقائل، من ضفة الى الضفة، وهو الذي استعاد المثل الصيني ليقول لسعد الحريري «انتظر جثة عدوك على ضفة النهر». جثث كثيرة وصلت لم تكن بينها الجثة المنتظرة...
حتما، ما قاله وليد بيك عن دونالد ترامب، واصفا اياه بـ«المخلوق الذي سيغرق العالم بالفوضى والدمار»، لن يصل الى السور الخارجي للبيت الابيض، لكنه اخترق اذان وعقول الحلفاء والخصوم حتى العظم. لاحظوا ان الرجل الذي دخل يدا بيد مع سعد الحريري الى قاعة البيال هذا العام كان سمير جعجع وليس وليد جنبلاط، ماذا كان تعليق سيد القصر في تلك اللحظة؟
اذاً، وليد جنبلاط اعتاد ان يغتال اجزاء من وليد جنبلاط. خروجه الدراماتيكي من 14 اذار الذي جعل ذلك الكوكتيل يمضي بعيداً في تعثره بل وفي سقطاته. ثم ها هو يدير ظهره لكل تلك المواقف. لماذا استعاد في هذا الوقت بالذات القرار 1559؟
هو الذي يعرف ان القرار اياه، والذي جاء نتيجة لقاء النورما ندي الشهير في حزيران 2004 بين جورج دبيلو بوش وجاك شيراك، كان يعني صراع الرؤوس. اي رؤوس تبقى واي رؤوس تتطاير؟ لا هامش للسياسة او للديبلوماسية. القتال كان بالسلاح الابيض. بالاظافر...
لعله بينه وبين نفسه يتساءل عن المعجزة, الاعجوبة, التي انقذت رأسه. الان، الان، يا وليد بيك، وبعد كل الذي حصل، وبعد كل تلك الويلات التي تحدثت عنها، القرار 1559؟
هو الذي فوجئ بأن جاك شيراك كان جاهلاً بخفايا الشرق الاوسط، يعلم جيداً ما هي المفاعيل الكارثية للقرار. فوجئنا بظهوره اخيراً في الاليزيه، في صورة تذكارية مع فرنسوا هولاند. صورة لماذا؟ ومع من؟ يعلم اي شخصية واهنة، وواهية، لفرنسوا هولاند الذي لم يجد وزيرخارجية له سوى لوران فابيوس, وما ادراك اسرائيليا»، ما لوران فابيوس...
ماذا يستشعر وليد بيك الان حين يستعيد القرار اياه؟ الاستشعار عن بعد جاء متأخرا جدا. اي تحول قد يكون متأخرا جداً. لكنه وليد جنبلاط الذي تم التعامل معه ابان الوجود السوري كـ«سوبرمان».
الان، يقاتل من اجل بضعة مقاعد. وليد بيك انت اهم من ذلك بكثير. لكن التاريخ في كل المنطقة يتساقط. هنا اللحظة الاغريقية. سيتعذب تيمور جنبلاط كثيراً، حسب ما جاء في "الديار".