من يسلك الاوتوستراد الساحلي من ضبية الى مفرق غزير- أدما يخال نفسه داخل سوق تجارية متكاملة المعالم. إنها معاناة يومية لسيارات ثابتة في أمكنتها من دون تحرك تنتظر التقدم سنتيمترات قليلة خلال ساعات الذروة الصباحية والمسائية على المسلكين الشرقي والغربي.
السلامة المرورية معدومة على هذه الطريق التي تمتد على طول سبعة كيلومترات مع دخول وخروج السيارات عمودياً من المنشآت المحاذية للاوتوستراد (أفران، سوبرماركت، محال بيع وتشريج خطوط هاتفية، محال حلويات، مفروشات، صيدليات، محال بيع النراجيل.....) وما زاد "طين العجقة بلة" استحداث أكشاك صغيرة لبيع السجائر والعصائر والمشروبات على أنواعها.
هذه السوق المستحدثة بمحاذاة الخط السريع تعتدي على "تراجعات الطريق" أي المسافة الفاصلة بين الأوتوستراد والمحال. خطر الاصدام، على رغم الزحمة، موجود إذ قد يتعرض السائق لضربة فجائية قد يسببها متسوق يخرج بسيارته "خليفاني" من موقف الفرن أو السوبرماركت، وفي أحسن الأحوال تتعرقل حركة السيارات بطريقة تكاد تكون مفجعة.
زحمة السير على هذه الطريق "الدولية" تحولت الى "أزمة وطنية"، الى قضية إقتصادية وإنسانية ملحة تكاد توازي بأهميتها قضية التيار الكهربائي والضمان الصحي وغيرها من شؤون المواطن الحياتية. هذه الأزمة المستفحلة التي تسبب للعابرين معاناة هدر الوقت وتلف الأعصاب لم تحفز حتى الآن الادارات المعنية لإقامة خط رديف يحل هذه المسألة البالغة الأهمية. كل الأفكار والمشاريع والدراسات قد استنفدت من دون أن يبصر أي حل النور،علماً أنه كلما طال الزمن ازدادت كلفة التنفيذ ومعوقاته العملية وكذلك متاعب الناس.
من المشاريع المرحلية التي استحوذت على جزء من النقاس توسيع الأوتوستراد الحالي الذي يتضمن شقين: إضافة مسرب الى المسربين الحاليين، بحيث يصبح هناك ثلاثة مسارب، وإنشاء طريق جانبية محاذية لتخدم المتاجر والمساكن القائمة على ضفتي الأوتوستراد. انتهت الدراسات اللازمة لهذا المشروع في العام 2012 وأرسلت مع الجدوى الإقتصادية والأثر البيئي الى البنك الأوروبي للاستثمار الذي وافق على تمويلها بصيغة مشروع قرض بينه وبين الدولة اللبنانية، ووقع عليه مجلس الوزراء وأرسل الى مجلس النواب حيث "يتخمر في الأدراج".
يقول المهندس إيلي الحلو المشرف على مشاريع مجلس الإنماء والإعمار إن هناك أمرين يعرقلان البدء بتوسيع الأوتوستراد: الأول، إقرار القرض في مجلس النواب، علماً أن كلفة المشروع الإجمالية هي 150 مليون دولار، والثاني في مجلس الوزراء الذي لم يجد بعد حلاً لأموال الاستملاكات التي سيتم بموجبها شراء العقارات التي تعيق عملية التوسيع والتي تقدر بنحو 45 مليون دولار.
يبقى السؤال: اليس الأمر ملحاً للانطلاق بهذا المشروع أوغيره من المشاريع الرديفة رأفة بالناس وخدمة للاقتصاد؟ وماذا تقول وزارة البيئة عما كشفته دراسة بيئية حديثة قامت بها إحدى الجامعات اللبنانية لرصد تلوث الهواء الناجم عن الازدحام المروري، والتي تبين أن السائقين والركاب على أوتوستراد جونية- بيروت هم عرضة لضعفي الحد المسموح به من الملوثات الهوائية، بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية.
النتائج أظهرت أن من يعلق في الازدحام المروري لساعات لا تتوتر أعصابه فقط بل تتأثر صحته، لأن من يمضي يومياً ساعة في الازدحام يتعرض لمقدار 22 ميكروغرام في المتر المكعب من الجسيمات الهوائية الدقيقة الملوثة، وهذه الكمية تزيد من احتمال وفاة من يتنشقها بنسبة عشرين في المئة.
الى أن تجد الدولة حلولاً لأزمة السير المعممة على كافة المناطق اللبنانية، على المواطن أن يخصص ثلث راتبه الشهري للوقود وصيانة السيارة والثلث الثاني للأدوية المهدئة للأعصاب، الى أن يخرج القرار السياسي بالمشاريع الإنمائية من قمقم المصالح الشخصية.