أكّد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خلال استقباله رسام الكاريكاتور الفرنسي العالمي بلانتو مؤسّس جمعية "الرسم من أجل السلام Cartooning for Peace"، مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان أنّ "الأساس في أيّ نظام عيش هو احترام حقّ الاختلاف، الذي ينطلق من حريّة الضّمير، وهي الحرية التي تربط البشر بعضهم ببعض أفقياً، والبشر بالله عمودياً". وقال: "لكلّ إنسان أن يؤمن بأمر ما لإعطاء معنى للحياة والوجود الإنساني".
من جهته، عرض بلانتو لعون نماذج من بعض رسوماته الخاصة التي تشدّد على عمق الصداقة اللبنانية -الفرنسية، وأبرزها تلك التي جمع فيها بين برج "إيفل" حاملاً العلم الفرنسي وقبة كنيسة ومئذنة جامع لبنانيين عليهما العلم اللبناني، وهو أراد أن تكون شعار زيارته لبيروت. وقال لعون: "يسعدني أن أكون هنا لأتعلّم منكم أسس العيش المشترك، الذي عرفتموه فيما نحن نعمل على بنائه اليوم بين أناس لا يفهم بعضهم بعضاً بقدركم أنتم".
وإذ عبّر بلانتو عن سعادته لاستقبال عون له، أبلغه أنه يرسم لكبريات الصحف الفرنسية ومن بينها "لو موند" و"لو بوان" منذ 43 سنة، وهو إلى اليوم لا يزال يستهيب لحظة ابتكار الفكرة التي يقوم عليها كل رسم من رسوماته الكاريكاتورية، لأنّه يهدف من خلال ذلك إلى أن يشجّع على الحوار والتلاقي والمصالحة، وقال: "هذا يتطلب جهداً أكثر من أي نص إعلامي مكتوب". واستأذن بلانتو عون للقيام ببعض الرسوم هدية منه، قائلاً: "من خلال كلامكم تذكرت قولاً للفيلسوف القديم سينيك: أن تعيش لا يعني انتظار مرور العاصفة، بل أن تتعلم الرقص تحت المطر".
وقام بلانتو بعد ذلك برسم العلم اللبناني وخريطة فرنسا تجمعهما يدان ترحّبان بعضهما ببعض، ثم رسم عون وحوله لبنانيون من مختلف الطوائف يعبرون عن اتكالهم عليه لتوطيد العيش اللبناني المشترك، وقد تكلّلوا بقلوب وفوقهم حمامة سلام تبث روح الإخاء والتعاون. وسأل بلانتو عون: "ماذا تعتقدون فخامة الرئيس أن الله بإمكانه أن يقول لكم لو رأى هذا الرسم؟".
فأجاب عون: "لقد خلقتكم على صورتي، وأنتم تحاولون ان تجعلوني على صورتكم!".
وشدّد عون على أنّ "المهم في كلّ ما نقوم به سواء في السياسة أو الفنّ أو أي أمر آخر هو أن "نقول لا لحروب الآلهة على الأرض، بل نعم لجعل الأرض مكاناً للحياة والسلام".
وفي ختام اللقاء سأل بلانتو عون أن يرسم ما يجول في خاطره، فرسم سمكة، قام الرسام الفرنسي بجعلها شعاراً للسلام، وطلب من عون التوقيع عليها قبل أن يوقعها إلى جانبه. وقدّم بلانتو إلى عون الرسومات التي نفّذها أثناء اللقاء، موقّعاً عليها، عربون تقدير ومحبة، قبل أن يوقع برسم على سجلّ الشرف في القصر الجمهوري.
وإثر اللقاء، قال بلانتو للصحافيين: "تشرّفت بلقاء عون، واطّلعت منه كيف يمكنني أنا الفرنسي أن أحمل من لبنان رسالة حول مفهوم العيش المشترك، فأنتم تعرفون ذلك وقد عشتم مآسي متعددة، ونحن في أوروبا نطرح على أنفسنا أسئلة عدّة عن الطوائف المتعددة التي تشكل نسيجنا الاجتماعي، ولدينا الكثير لنتعلمه من الشرق الأوسط لمعرفة كيف علينا أن نعمل ونحترم بعضنا البعض. وأنا أجول العالم دوماً ومعي قلم للرسم، في حين أنّ البعض يهوى أن يقوم بنصب حواجز أو هدم ما هو قائم بين الثقافات. وأنا أسعى من خلال الجمعية التي أسستها منذ نحو 11 عاماً إلى أن أنشئ روابط إنسانية، بفضل الرسوم ومن خلال الأقلام، فأجمع بذلك الآراء والثقافات والديانات لأجعلها تتحاور. فنحن بحاجة إلى تربية على ثقافة التسامح كي نبني عالماً أفضل من خلال الرسم والفنون، عالماً يتواصل بعضه مع بعض ويتكلم بعضه مع بعض، طالباً من الآخر المختلف أن يصغي إليّ فيما أنا أصغي إليه. بذلك نحترم بعضنا بعضاً ونسير إلى منتهى قناعاتنا المشتركة".
ورداً على سؤال عمّا قام به مع عون خلال اللقاء، قال: "أنا لا أعرف سوى الرسم، وقد رسمنا معاً رمزاً للسلام، انطلاقاً من السمكة التي يهوى رسمها، وقد أضفت إليها غصن زيتون لتغدو رمزاً للسلام. إنّنا جميعاً نعرف أن نرسم ونتواصل ببساطة، وهكذا نتعلم من بعضنا، وندرك أنّ بإمكاننا أن نتكلم لغة واحدة. نحن في أوروبا اليوم لدينا صعوبة في أن نتمكن من الكلام مع بعضنا لكن أنتم لديكم خبرة العيش معاً، وأنتم الآن مجتمعون حول الرئيس عون، وهذا أعمق من مجرّد الكلام. نحن علينا أينما كان أن نتعلم العيش معاً انطلاقاً من لبنان".
وعن العلامة التي يضعها لعون على طريقة الرسم لديه، أجاب: "10 على 10. ما دام الرسم تعبيراً عن فاعلية صادقة فهو يستحق هذه العلامة".
وتأتي الزيارة بهدف نشر مبادىء التربية على السّلام وقيم التلاقي والعيش معاً ضمن إطار احترام حق الاختلاف والتنوع. ويزور بلانتو لبنان لترؤس اللجنة التحكيمية لمسابقة "ريشة بيار صادق"، وإلقاء محاضرات في عدد من الجامعات اللبنانية.
وحضر اللقاء كلودين عون روكز والأب جو أبو جودة وصاحب مجلّة "الدبور" اللبنانية الكاريكاتورية الدكتور جوزيف مكرزل وريتا صعب مكرزل.