تميّز يوم المرأة العالمي في لبنان هذا العام بنكهة خاصّة. فقد حلّ في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان على أكثر من صعيد، في مقدّمها دور المرأة فيه، وهي قضية تطفو بقوة على سطح الأحداث اللبنانية مؤخراً، مع الحملات المطلبية المركّزة ميدانياً وفي دوائر القرار وفي الإعلام لدعم مشاركة المرأة اللبنانية في الحياة السياسية من خلال سلسلة مطالب أبرزها مطلب الكوتا النسائية في البرلمان.
فلما كان معروفاً عن المرأة اللبنانية ريادتها واستقلاليتها وجدارتها في مختلف المحافل التي تواجدت وتم اختبارها فيها، فإن مشاركتها في الحياة السياسية بقيت محدودة جداً بحيث لم يتخطَّ عدد النساء في المجلس النيابي اللبناني نسبة الـ 3 % ممّن ورثْن الحضور السياسي عن عائلاتهن، وفي حين لم تضمّ الحكومات اللبنانية تاريخياً حتى اليوم الكثير من الوجوه النسائية (وزيرة واحدة في بعض الحكومات منها الحكومة الحالية). فما الذي أعاق وما زال يعيق إرادة المرأة اللبنانية القادرة والطامحة للمشاركة في الحياة السياسية إذا كان الدستور اللبناني يكفل لها هذا الحق من باب المساواة مع الرجل؟
في هذا السّياق، أكّدت عضو المكتب التنفيذي في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية الدكتورة عفيفة السيّد لـ "النهار" الكويتية أن الأحزاب السياسية هي المسؤولة عن التمييز بحق النساء لجهة حرمانهنّ من الوصول الى مواقع القرار في السلطة، ولذلك نحن اليوم بصدد التوجه إلى هذه الأحزاب السياسية لنطلب منها أن تتولى هي ترشيح نساء ضمن لوائحها، خصوصاً في ظل هذا النظام السياسي الذي يحرم المستقلّين من فرص التمثيل في الندوة البرلمانية، نساءً ورجالاً على حد سواء، مشددةً على أن الإرادة السياسية السلبية هو أكبر تحدّي واجهته المرأة اللبنانية في سياق سعيها للمشاركة في الحياة السياسية.
وإذ أكّدت السيّد أن الكوتا هي تدبير إجرائي مؤقّت هدفه إيصال المرأة إلى مواقع القرار والتعبير عن ذاتها واختبار قدرتها من قبل المجتمع، شددت على ان مطلبنا الاساسي اليوم هو الحصول على كوتا نسائية بنسبة 30 % من المقاعد، مؤكدةً أن وزير شؤون المرأة جان أوغاسبيان أكّد لنا أكثر من مرّة أن الرئيسيْن نبيه بري وسعد الحريري وعدا بأن أي قانون للإنتخاب لن يمرّ إذا لم تكن الكوتا النسائية بنداً أساسياً فيه.
من جهتها، أكّدت أستاذة العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف الدكتورة فاديا كيوان لـ "النهار" الكويتية ان التجمع النسائي المكوّن اليوم من تحالف نساء نشيطات وناشطات في مختلف مجالات الشأن العام يبقى قاصراً عن مواجهة القوى السياسية ذات العصب الطائفي والمذهبي وذات الحضور والنفوذ المتمادي على مدى عقود من الزمن، خصوصاً أن النساء الحزبيات لسْنَ ناشطات بما يكفي، معتبرةً اننا حتّى الآن ما زلنا نخوض معركتنا على هامش الحياة السياسية ونطمح لنقل النضال الى داخلها. ودعت كيوان الأحزاب لترشيح النساء مشددةً على ضرورة إقرار كوتا نسائية بالمقاعد وليس بالترشيح، ومؤكدةً أن المرأة اللبنانية تواجه اليوم تحدٍّ كبير يتمثل بقدرتها على إثبات نزاهتها وشفافيتها وتفانيها واهتمامها بعمق الملفات وليس بالشهرة والطبل والزمر، وهي بالتالي معنيّة اكثر من أي وقت مضى بخلق جو من الثقة لكسب الرأي العام في صالحها.
في المقابل، ثمة من يرى في الكوتا تحجيماً للمرأة وانتقاصاً من قدراتها وتكريساً للتمييز بحقّها، رغم أنها معتمدة في الكثير من الدول المتحضرة والمتقدمة والعريقة ديمقراطياً كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتونس وغيرها من الدول حول العالم. وفي هذا الإطار، شرحت رئيسة جمعية غداً لبنان Avenir Libanالمحامية في القانون الدولي باتريسيا الياس سميدا لـ "النهار" الكويتية أهمية إقرار الكوتا النسائية في لبنان، فاعتبرت ان الكوتا لا تعتبر بطبيعتها تمييزاً بين الرجل والمرأة، بل وسيلة لتحقيق المساواة المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي كافة الإتفاقيات الدولية ذات القوة الدستورية بفعل توقيع لبنان عليها وفي المادة 7 من الدستور اللبناني، التي تنص على المساواة في الحقوق السياسية بين جميع المواطنين اللبنانيين، وشددت على أن الأحزاب مسؤولة بشكل أساسي اليوم عن إيصال المرأة إلى الندوة البرلمانية كممثلة لها وللشعب اللبناني.