عبثاً يتغّير المشهد الدرامي الذي يؤدي فيه المواطنون اللبنانيون أدوار البطولة كلّما أمطرت، سواء في كانون أو في آذار. "العهد الجديد"، ورغم مرور أكثر من مئة يوم على انطلاقته، ما نجح حتى الساعة في وضع حدّ لمهزلة غرق السيارات بمن فيها بسبب السيول التي تحوّل لبنان مستنقعاً تختلط فيه مياه الصرف الصحي بمياه الطبيعة بدموع المواطن بالعرق المتصبب على جبينه غضباً وحسرة.
والحكومة المنهمكة باستحداث ضرائب جديدة تُقتطع من جيب الفقير، لا تعنيها طوابير السيارات المسجونة على طول الأوتوستراد والطرقات الداخلية والزواريب، طالما أن وزراءها قادرون على التنقل بطوّافات أو المرور بعكس السير أو قطع الطريق كي يمرّ الموكب دون أي اعتراض أو "زمور" تحت طائلة تحطيم المرايا وشهر السلاح وإبراز العضلات المفتولة.
وإذا كانت الأسطورة تقول إن تسمية "المستقرضات" تعود إلى كون شباط البارد قد استقرض (استعار) من آذار أربعة أيام باردة كي ينتقم من إحدى العجائز التي تكلمت عنه بالسوء ، فإنه على كلّ مسؤول في لبنان أن يستقرض بعض الحياء والشعور بالمسؤولية كي ينتقم للشعب اللبناني المسكين وقد بات قدره اليوميّ "الشنشطة على الطريق"!
هل قلنا بعض الحياء والتحلّي بالمسؤولية؟! إنه كلام هراء...
ففي لبنان، يطلّ وزير الأشغال العامة "معتذراً" من اللبنانيين ومؤكداً أن "الموضوع خارج عن إرادة وزارته"! بالطبع، يحمل كلام "معاليه" الكثير من الحقيقة والواقعية ذلك أنّ مسؤولية تنظيف الطرقات ومجاريها وأقنيتها تتشاركها جهات متعددة (البلديات، مجلس الإنماء والإعمار، الشركات المتعهدة ووزارة الأشغال)، لكنه في الوقت عينه ما عاد تبريراً مقنعاً ولن يكون بعد اليوم بمثابة صكّ براءة يمنحه المعنيّون لأنفسهم!
فليتفضل الوزير وكلّ معنيّ بهذا الملف إلى مصارحة الناس بالحقيقة، وكشف مكامن التقصير والإهمال وهوية مرتكبيها، وليتعهد كلّ منهم بتحمّل مسؤولياته وتنفيذ واجباته، وإلا فليكن اعتراف واضح وصريح بارتكاب الفساد، أو أقّله، العجز على تحقيق المصلحة العامة وإدارة شؤون الناس.
للأسف، يبدو هذا الأمر أشبه بمشهد في فيلم خياليّ. كلّ الوزراء المتعاقبين أمعنوا في تحميل السماء وأمطارها مسؤولية الطوفانات المتكررة، "ولولا العيب والحيا" لكانوا طالبوا الشعب بمحاسبة الخالق على إغراقنا بخيراته!
والمشهد، على دراميته، سورياليّ بامتياز. في عام 2017، وفيما يُغرق السياسيون الشعب اللبناني بأحلام ووعود وآمال أقلّها استخراج النفط من باطن هذا البلد "الغنيّ"، يغرق المواطنون في سياراتهم ومنازلهم ومحلاتهم التجارية بسبب الأمطار. هل قلنا بعض الحياء والشعور بالمسؤولية؟!.. هذا هراء!
تجدر الإشارة إلى أنّ وزير الأشغال كلّف المدير العام للطرق والمباني طانيوس بولس، الإطلاع على ما يجري في
ضبية - انطلياس من فيضان. وتبيّن أنّ أسباب الفيضان سببه محطة ضخ للمياه تعود لأحد مشاريع الأبنية قيد الإنشاء. ووجّه بولس إلى مدير المشروع إنذاراً بإزالة المخالفات. وقد اعتذر الأخير من "وزارة الأشغال متعهّداً بإزالة كلّ المخالفات".