«الهدف هو إسقاط نظام الزبالة»، «السلسلة من حقّي بس من جيبتك مش من جيبتي»، شعارت أطلقها المتظاهرون الذين تجمّعوا في ساحة رياض الصلح، احتجاجاً على زيادة الضرائب لتمويل سلسلة الرتب والرواتب من جيوب الفقراء، بدلاً من المصارف وأصحاب الشركات الكبرى وفرض الضرائب على الأملاك البحرية.
المتظاهرون لا ينتمون إلى فئة حزبية معيّنة، ولم يخرجوا بطلب من أحد، ولكن الوضع المعيشي السيىء وزيادة الضرائب وحّدتهم وجعلتهم يعلنون «ثورة الجياع» بوجه الطبقة السياسة بكافة مكوّناتها، فهتفوا بصوت واحد أمام السراي الحكومي «يسقط يسقط حكم الأزعر».
وعلى وقع الأغاني الوطنية، وفي ظل انتشار كثيف للقوى الأمنية، أكد المتظاهرون أنّهم مع إقرار السلسلة، لكن ليس على حساب المواطن، مشدّدين على أنّهم ذاهبون إلى التصعيد، ودعوا إلى اعتصام نهار الاربعاء المقبل عند الساعة 12 ظهراً.
وفي خطوة مفاجئة، نزل رئيس الحكومة سعد الحريري إلى ساحة رياض الصلح لملاقاة المتظاهرين، ومع وصول موكبه عمد بعض المندسين الى رشقه بزجاجات المياه، إلا أن ذلك لم يمنعه من التوجّه إلى المتظاهرين عبر مكبّر للصوت قائلا: «نحن هنا وعدناكم أن نكون واضحين معكم، وإن شاء الله سترون أنّ هذه الحكومة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سوف تكون دائما إلى جانبكم وإلى جانب الناس ووجع الناس».
وتعهّد الرئيس الحريري في كلمته بأنّ حكومته ستكون إلى جانب المواطنين، وستحارب الفساد والهدر في البلاد.
وقبل أنْ يغادر الحريري ساحة الاعتصام سيراً على الأقدام باتجاه السراي الحكومي، قال: «وعدناكم بالوضوح والصراحة وسترون أنّ هذه الحكومة هي الى جانبكم. جئنا بثقة الناس وسنكمل المشوار الذي سيكون طويلاً».
ثم دعا الحريري عبر صفحته على «تويتر» منظّمي التظاهرة الى تشكيل لجنة ترفع مطالبهم لمناقشتها بروح إيجابية.
وردّاً على تعهّد الرئيس الحريري، دعت حركة «التجدّد الديموقراطي» رئيس الحكومة الى «الترجمة العملية السريعة لتعهده بمكافحة الفساد، وذلك عبر سحب السلة الضريبية الجائرة التي يناقشها المجلس النيابي فورا، وضم كل من سلسلة الرتب والرواتب، ومجموعة ضرائب عادلة ومنطقية، وموازنة إصلاحية محفزة للاقتصاد في نص موحد وشامل يطرح بأقرب وقت أمام المجلس النيابي».
وطالبت في بيان لها «المباشرة بإجراءات فورية لقمع التهرب الجمركي والتي من شأنها تأمين موارد مالية سريعة وكبيرة للخزينة تغطي جزءا أساسيا من تكلفة السلسلة والبدء بتنفيذ خطة إصلاحية جذرية وفورية لقطاع الكهرباء تقفل مزاريب الانفاق غير المجدي الذي يعمق العجز سنة بعد سنة، وتنفيذ قرار حاسم باستعادة الدولة سيادتها على معابرها الحدودية عبر ضبط كافة المعابر البرية والبحرية والجوية من خلال القوى العسكرية الشرعية اللبنانية لمنع التهريب الذي يكلف الاقتصاد أعباء طائلة».
وشدّدت على أن «المباشرة بهذه الخطوات من شأنها ارسال إشارة أولى ذات مصداقية للمواطنين ان الدولة جادة في مكافحة الفساد الممنهج والممول من خزينتهم وجيوبهم، وانها ستستكمل ذلك من خلال اعادة الثقة الفعلية بلبنان، بإنهاء إقحامه بالحرب السورية وبسط سيادة الدولة كاملة على امتداد لبنان».
ملثّمون يُثيرون الشغب
التظاهرة التي كانت ستُفض عند الثانية والنصف من بعد الظهر، تجدّدت بعدما عمد بعض الشبان المندسين والملثمين إلى رمي زجاجات المياه باتجاه العناصر الامنيين، محاولين تخطي الاسلاك الشائكة والدخول الى السراي الحكومي، مع إطلاقهم بعض العبارات الاستفزازية للقوى الامنية، التي مارس عناصرها سياسة ضبط النفس وعدم الرد على الاستفزازات، وتمنّوا على المشاغبين الحفاظ على سلمية التحرّك، فيما شكّل منظّمو الحراك حاجزاً بين بعض مثيري الشغب والقوى الامنية لمنع التصادم والاشتباك، قبل أن يعلنوا انتهاء الاعتصام والانسحاب من رياض الصلح بسبب حالات من الهرج والمرج التي تخلّلتها الساحة، ووالتي تسببت بوقوع جريحين نتيجة التدافع.
وبعد حصول أعمال الشغب، أعلن حزب الكتائب انتهاء التظاهرة، كما أعلنت منظّمة الشباب التقدمي الانسحاب من الساحة الى جانب منظمة الطلاب في الاحرار.
إستنكارات لرشق موكب الحريري
وترك حادث التعرّض للرئيس الحريري، الذي شاء الحضور إلى ساحة رياض الصلح لمخاطبة المتظاهرين المحتشدين في الساحة، استياءً في صفوف بعض المتظاهرين، ولدى فاعليات سياسية، فقال الرئيس نجيب ميقاتي عبر «تويتر» إن «حق التظاهر والتعبير عن الرأي مشروع وندعمه، أما التعرض لمقام رئاسة مجلس الوزراء وشخص دولة الرئيس سعد الحريري فأمر مرفوض ومستنكر».
{ فيما اعتبر النائب خالد الضاهر أن المس بموقع رئاسة الحكومة أمر مرفوض جداً، مستنكراً ما حصل مع الرئيس الحريري، وداعياً إلى وضع حدّ لموضوع إثارة الشغب أثناء التظاهرات.
{ بدوره، استنكر المنسّق العام لتجمّع اللجان والروابط الشعبية معن بشور، التعرّض للرئيس الحريري، قائلاً: «الرئيس سعد الحريري هو رئيس الوزراء الوحيد منذ 50 عاماً الذي لم ألتق به، بسبب تباين في الرؤى السياسية والاقتصادية، ومع ذلك كنت منزعجاً من الطريقة التي تعامل بها البعض معه حين جاء اليوم (أمس) إلى المعتصمين في ساحة رياض الصلح لأكثر من سبب».
وأضاف: «لأنني ضد التعرض برمي حجارة أو عصي أو قناني فارغة ضد أي مواطن، فكيف اذا كان مسوؤلاً بمقام حكومي رفيع، مهما بلغ حجم اعتراضي على سياساته، ولأنني اعتقد ان تصرفات كهذه، يقوم بها أفراد تسيء إلى عشرات الالاف من المعتصمين بشكل حضاري وسلمي، تظهر حجم الهوة بين السلطة والشعب، نحن نعترض على الحكام لأنهم يرفضون الاستماع إلى صوت الناس، فهل يعقل ان يتصرف بعض الناس كالحكام فيرفضون الاستماع إلى صوت المسؤول».
وختم: «لأن مثل هذه التصرّفات تشير الى ان البعض لم يستفد من دروس التحرّك التاريخي الرائع الذي قام به شباب لبنان عام 2015.فنجح المتضرّرون منه الى جر بعض اطرافه الى منزلقات ادت الى انحسار».
{ من ناحيته، وصف رئيس حركة التغيير المحامي إيلي محفوض خطوة الحريري بمخاطبة المتظاهرين بـ«الجريئة»، مشيراً إلى أنّها المرّة الأولى التي ينزل فيها رئيس حكومة إلى الشارع لمخاطبة المتظاهرين، أما أعمال الشغب والاعتداء على قوى الأمن فهي مرفوضة وغير مبرّرة وتطرح علامات استفهام؟
{ من جهته، وجّه رئيس مجلس قيادة «حركة الناصريين الأحرار» زياد العجوز «تحية عز لرئيس الحكومة لموقفه تجاه المتظاهرين». وقال: «سيسجل التاريخ بأنه المسؤول ورئيس الوزراء اللبناني الوحيد الذي تجرأ ونزل الى الساحة لمخاطبة المتظاهرين».
{ كما استنكر «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» السلوك «الشائن والأرعن الذي قام به بعض المتظاهرين مع رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الذي نزل الى الساحة لمخاطبة المتظاهرين وجهاً لوجه وإبلاغهم عزمه على محاربة الفساد ومنع الهدر».
واعتبر في تصريح لرئيس الاتحاد محمد عفيف يموت أنّ ذلك «يؤشر إلى غوغائية تغيب المنطق والحوار، ولا تؤسس لاصلاح أو تحقيق مطالب».
وثمّن «عالياً شجاعة الرئيس الحريري في فتح حوار مباشر مع القواعد الشعبية»، داعياً «القيّمين على التظاهرات إلى تنقية صفوفهم من المندسين والمستغلين، ورفع مطالبهم الى رئيس مجلس الوزراء بشكل حضاري، ليصار إلى دراستها واقرار المحق والممكن منها، عملاً بدعوة الرئيس الحريري لهم».
وأكد يموت «على أحقية إقرار سلسلة الرتب والرواتب، في الوقت الذي يجب توفير الواردات اللازمة لتغطية كلفتها، دون أن تطال مصادر التمويل الطبقتين الفقيرة والمتوسطة».
{ هذا، وتجمّع عدد من مناصري تيار المستقبل أمام مكتب منسقية طرابلس، رافعين أعلام التيار وصور الرئيس الحريري، ومردّدين هتافات مؤيّدة له، وتزامناً، جابت سيارات تحمل صور الحريري، في شوارع المدينة، حسب ما جاء في صحيفة "اللواء".