قيل الكثير عنها وفيها. رسمتها ريش كبار الرسامين. مدح فضاءلها وفضلها أهمّ الشعراء. تغّنى بها المطربون. فكانت هي البداية التي لا نهاية لها. بداية الحب والعطاء المجاني، الذي يعطي ولا ينتظر أي مقابلٍ. الحب غير الإلغائي، والحب الذي يبني.
ما من أمٍّ فوق التراب أو تحته إلاّ وكان الحب لأبنائها هو الغاية الأولى والوسيلة الوحيدة للبقاء.
بهذا الحب غير المحدود، لا بالزمان ولا بالمكان، تجعل المستحيل ممكنًا، وتحّول الشوك رياحين، وتعصر من حبات القلّة بحبوحة ، وتزيل الحصى من أمام الأقدام الصغيرة فلا تتعثر أولى الخطوات، تغزل من خيوط الليل نورًا، وتفرش الدروب أمالًا زهرية، وتزرع الوعر إيمانًا ينقل الجبال، وتصنع أبطالًا لا يهابون التحديات.
بيديها تطحن الصخور فتمسي جلالًا ترفل بالخير والحبور، وبعرق الجبين تبعد عن الفلذات ما يكدّر العيش.
من بعد الأمّ لا حبٌّ ولا عطاء. من بعدها الحبّ، أي حبٍّ هو المصلحة بذاتها، حتى بين أقرب المقربين، إلى أن تصبح كل إمرأة أمًّا، وهي التي كانت حتى الأمس القريب الطفلة الدلوعة والأخت المفضّلة والحبيبة الوحيدة.
في 21 آذار تزهر الأرض زرعًا سقتها الدموع، فيكون الربيع وتكون رمزًا له فيشع النور من عينيها ليملأ الدنيا دفئًا وحنانًا.
"دخيلك يا أمي"، نقولها بثقة المتلهف، لأننا نعرف تمام المعرفة أن لا غيرها مستعد لتلبية النداء، أيًا كانت إنشغالاتها، وهي الوحيدة التي ستترك كل شيء لتجلس قرب ولدها الذي يستنجد بها، فتخفف عنه وتحميه بالأهداب.
هذا اليوم، 21 آذار، حروفه من ذهب، لا قبله ولا بعده، لا فوقه ولا تحته. إنه عيد الأعياد. هو الثابت والباقي متغيّر.