أكد رئيس الحكومة سعد الحريري أن لبنان مرّ عبر تاريخه بأزمات عديدة، وتعرض لاعتداءات إسرائيلية واجتياحات لأراضيه فى العقود الماضية، واللبنانيون تعلموا كثيرا من الحرب الأهلية المشئومة التي عانوا منها كثيرا منتصف سبعينيات القرن الماضي، وأدت إلى قتل وتهجير مئات الآلاف وتدمير المدن والقري. ولذلك باتت هناك قناعة لأكثرية اللبنانيين بعدم جدوى تكرار مثل هذه الحروب تحت أي ظرف كان، لأنه لن ينتج عنها سوى الخراب والدمار، ولن تؤدي إلى انتصار اي طرف أو طائفة على اخرى مهما كانت قوة هذا الطرف وامتداداته الخارجية. هذه التجارب المؤسفة التي عاشها اللبنانيون، جنبت لبنان الانجرار إلى موجات العنف والاقتتال الطائفى والمذهبى وقطعت الطريق على أى جهة أو تنظيم إرهابي في تحقيق أهدافه وإعادة الأمور إلى الوراء.
وأضاف في حديث لصحيفة "الأهرام" المصرية، إن "هناك مشاكل وخلافات سياسية عميقة في لبنان، وهناك تباين في وجهات النظر حول قضايا حساسة، ولكن السلم الأهلي فى لبنان هو خط احمر".
أمّا عن الازمة السورية، أكد الحريري أنه "لا يمكن إنهاء الحرب الدائرة في سوريا إلا من خلال التسوية السياسية، مشيرا إلى أن القيادة المصرية يمكن أن تلعب دورا محوريا في هذا المجال وهي التى قدمت النموذج الصحيح لكيفية تعاطى الجيوش الوطنية مع شعوبها".
في سياق آخر، أكد الحريري أهمية اجتماع اللجنة المشتركة المصرية - اللبنانية العليا في القاهرة بعد غد، عقب انقطاع دام سبع سنوات، موضحا أن هناك ملفات عديدة مطروحة على جدول الأعمال فى مقدمتها تفعيل العلاقات السياسية وتطوير العلاقات الاقتصادية، لافتًا إلى أن هناك تواصلا بين المسئولين الأمنيين اللبنانيين والمصريين على أعلى المستويات لتنسيق الجهود فى مواجهة الخطر الإرهابى وملاحقة أفراد وخلايا التنظيمات الإرهابية.
وعن الوضع في سوريا، اعتبر الحريري أنه معقد وصعب وتأثيره كان واضحا على لبنان الذي عانى ولا يزال يعاني تداعيات هذه الحرب، بفعل تدفق مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى أرضه، هربا من ديكتاتورية ووحشية النظام وخطر الارهاب. وكما تعلمون، فإن ذلك يشكل عبئاً على اقتصاد البلد، ناهيك عن التداعيات الأمنية على الحدود المشتركة ومحاولات بعض التنظيمات الإرهابية المتشددة استهداف أمن لبنان واستقراره من وقت لآخر، الأمر الذى يتطلب بقاء القوى والأجهزة الأمنية والعسكرية على درجة عالية من اليقظة والاستعداد لمواجهة مثل هذه المحاولات.
وأضاف الحريري: "لم نلحظ أي تقدم في مفاوضات جنيف باتجاه وقف الحرب الدائرة فى سوريا نهائيا، الحرب لا تزال مستمرة لأنه يبدو أن نظام الأسد وحليفه الإقليمي الأساسي، اي ايران، يراهن على حسم الأمور عسكريا، وهو يستغل هذه المفاوضات في سبيل تحقيق هذا الهدف. ولذلك تستمر الحرب بين كر وفر وتدمير المزيد من القرى والمدن وتهجير المدنيين وتزايد الدول والأطراف والتنظيمات المشاركة فيها وتشابك المصالح الإقليمية والدولية فيها. لا يمكن إنهاء الحرب الدائرة في سوريا، إلا من خلال التسوية السياسية والأخذ بعين الاعتبار مطالب اكثرية الشعب السوري ومشاركته في نظام ديمقراطي يجمع بين كل مكونات الشعب، ومن غير ذلك يستحيل وقف هذه الحرب المدمرة".
وعن انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، قال: "بالفعل هناك تحفظات صدرت عن بعض القوى، ولكن في النهاية زال العديد من هذه التحفظات بعد انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة الجديدة، وأصبحنا أمام واقع سياسي ومرحلة سياسية جديدة، ومن الطبيعى أن يكون بعض الأطراف السياسيين غير راضين وفى موقع معارض، لأنه من الصعب أن يكون هناك إجماع كامل لأننا في نظام ديمقراطي وتعدد الآراء، يبقى هناك من يؤيد وهناك من يعارض ولكن في النهاية أصبحنا أمام أمر واقع جديد وعلى الجميع التعاطي معه كل من موقعه المؤيد أو المعارض، فرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة يتعاطى مع الجميع من دون استثناء لأنه أصبح لكل اللبنانيين ومسؤولا عنهم، فى حين أن من يريد الاستمرار في المعارضة أو المقاطعة فهذا خياره ونحن نحترمه".
وأضاف: "أما بالنسبة لعودة تيار المستقبل إلى قوته كتجمع سياسى يمثل السنة فى لبنان، لا يطابق الواقع، أولا لأن تيار المستقبل وبالرغم من كل الظروف الصعبة التى مرت على لبنان لا يزال محافظا على موقعه من بين أكبر التجمعات السياسية الوطنية ومنتشرا على معظم الأراضى اللبنانية".
وبشأن سلاح "حزب الله"، أشار الحريري إلى أنه "نحن كتيار سياسي موقفنا معروف ونؤكد عليه باستمرار أننا ضد أي سلاح غير سلاح الجيش والدولة اللبنانية. وفِي سائر الأحوال يبقى هذا الموضوع محل تباين وخلاف في وجهات النظر بين اللبنانيين، وهو مع الأسف يشكل عنصراً اساسياً من عناصر الانقسام الوطنى وضعف الدولة، ولكننا نتطلع دائماً الى معالجته تحت سقف الحوار الوطني، والدعوة الى حصرية السلاح فى يد الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية الشرعية. فلا شرعية لاى سلاح الا لسلاح الجيش اللبناني ومؤسساتنا الأمنية. وكل سلاح آخر هو محل خلاف وتباين".
وأوضح أن "الحوار مستمر مع حزب الله، وإن كانت الجلسات لا تعقد بالزخم الذي كانت عليه لأننا بتنا نجتمع في جلسات مجلس الوزراء باستمرار"، مضيفًا: "نحن لا نزال على موقفنا من سلاح حزب الله ولم نغيّر مواقفنا الرافضة لوجود أى سلاح خارج مؤسسات الدولة وهم مستمرون وسياستهم بالتدخل بالأزمة السورية عسكريا ورفضهم حل مسألة السلاح، في حين ما يجمعنا حاليا المشاركة ضمن الحكومة الواحدة والإجماع على رفض الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة والبحث عن حلول للمسائل والمشاكل الأخرى التى تهم اللبنانيين وتحسن مستوى عيشهم".
أما فيما يخص إمكانية عقد لقاء مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، فردّ الحريري "أعتقد أن الظروف غير ملائمة لعقد مثل هذا اللقاء".
وفي ما يتعلّق بقانون الانتخاب، لفت إلى أنه "لم ندّخر وسعاً فى سبيل التوصل إلى قانون انتخابات جديد، عقدنا لقاءات متواصلة مع الأطراف المعنيين لأجل التوصل إلى هذا القانون وما زلنا نعمل بكل جد لتحقيق ذلك، ولكن تداخل التشابكات السياسية وتعدد المشاريع المطروحة واختلاف نظرة الأطراف السياسية تجاهها، كلها عوامل أدت إلى التأخير فى الاتفاق على قانون جديد. وكما هو معلوم، فهناك استحالة لصدور قانون انتخابات جديد بمعزل عن توافق كل الأطراف المعنيين عليه، لأن قانون الانتخابات هو قانون توافقي في النهاية، وليس قانونا مفروضا على هذه الجهة أو تلك فرضا. أستطيع القول إننا لسنا فى طريق مسدود، وقد حققنا بعض التقدم من خلال جمع النقاط الإيجابية فى القوانين المطروحة، وآمل أن نستطيع فى الأيام القليلة المقبلة بلورة تصور قانون انتخابات يحظى بتوافق الأطراف، وأنا لست متشائما بهذا الخصوص لأن هناك مخارج عديدة لهذه المشكلة، ولن يكون هناك تمديد للمرة الثالثة كما حصل فى السابق بل تمديد تقنى يمتد لبضعة أشهر لتنفيذ القانون الجديد".
وطمأن الحريري بأن علاقاته مع المسؤولين بالمملكة ليست موضع تشكيك، لأن الكل يعرف مدى عمق هذه العلاقة ومتانتها، أما فيما يتعلق بتجميد هبة تسليح الجيش المقدمة من المملكة فمرده إلى سوء تصرف وتهجم بعض الأطراف اللبنانيين على المملكة وقيادتها مرارا استجابة لتوجهات إقليمية، فى حين أن مسألة زيارتي للرياض مرتبطة بجدول أعمال الحكومتين اللبنانية والسعودية ومواضيع البحث بينهما، وليس لأى أمر آخر".
وعن النازحين، قال الحريري: "لا يخفى على أحد مدى عبء وجود النازحين السوريين في لبنان والذي قارب عددهم على مليون ونصف المليون نازح، وهناك ضغوط وتزايد استعمال البنى التحتية فى المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية تفوق قدرتها على الاستيعاب، ما أثر سلبا على حياة كثيرين من اللبنانيين فى ظل تقلص المساعدات الدولية المقدمة للبنان بهذا الخصوص. نحن نسعى من خلال الحكومة إلى وضع خطة شاملة تتضمن حاجة لبنان على كل المستويات لمواجهة أعباء النزوح السوري، وسنعرض هذه الخطة فى المؤتمر الذي سيعقد في بلجيكا في غضون الأسابيع القليلة المقبلة ونأمل أن تتجاوب معنا الدول المعنية وتوافق على مطالبنا بهذا الخصوص لتنفيذ التزامات الدولة تجاه المواطنين اللبنانيين وتخفيف التداعيات السلبية لوجود النازحين عنه".
أمّا عن المحكمة الدولية، فقال: "أطمئن الجميع، القضية لم تمت، وللمشككين أقول: المحكمة مستمرة في طريقها، والكل يعرف مدى دقة المحاكم الدولية وإن شاء الله ستصدر أحكامها بحق القتلة المجرمين".
(الأهرام)