ساعة واحدة من "الفراغ القاتل" أصابت اللبنانيين، بكافة طبقاتهم الاجتماعية (الغني- متوسط الحال - الفقير- المعدم)، وميولهم السياسية والحزبية والمدنية، وطوائفهم الدينية، وفئاتهم العمرية، ومستوياتهم الفكرية والثقافية والإيديولوجية المختلفة، بالسكتة الإجتماعية لبرهة.. برهة واحدة أشعرتهم بخطر قائم لا بد من مواجهته بالتعامل المباشر مع الجهة المسؤولة عن هذا الفراغ، تلتها برهة أخرى من السكتة الدماغية لاستيعاب المحنة نتيجة الصدمة العصبية المفاجئة، بعدها بثوانٍ بدأت الثورة التي انقسم أنصارها بين مهتم بالحالة العامة الميؤوس منها، وغير مبالٍ!
للتوضيح، النقاش هنا ليس عن الفراغ السياسي المتوقع في حال لم يمدد للمجلس النيابي الممدد لنفسه مرات ومرات، وما سبق ليست خطوات دفاعية استباقية رفضاً لتمييع الجهات المسؤولة عن وضع قانون انتخابي، بحجة العبارة السحرية المتنقلة من شفّة الى شفّة "عدم التوافق على قانون يمثل جميع اللبنانيين"، بل ببساطة عن انقطاع الخدمة المجانية من تطبيق "واتس آب"، علماً أن العد العكسي للمهلة المعطاة لنواب أمتنا كي يتفقوا على القانون بدأ ينفذ، والأيام المتبقية هي 11 يوماً فقط! على أمل أن يكون سبب العطل شبيه بأسباب شركة "واتس آب" التي أعلنت عن قيامها بتحديث ضخم على برنامجها خلال الأيام المقبلة سبّب الأزمة، فتكون مفاجأة اللبنانيين في 15 أيار الإعلان عن قانون جديد، حديث، عصري، عادل، وقادر على أن يعكس حسن التمثيل، وصحته وعدالته.
وبالعودة الى السكتة الاجتماعية المفاجئة، فحين أصبح الكون أصغر، وعندما تبدل لون السماء الى الأسود القاتم، من دون انكار أهمية العلاقات الاجتماعية داخل وخارج البلاد والاحتكاك المباشر بين الشعوب وأهمية التكنولوجيا ومقتضيات العولمة، وما الى ذلك من أدوات وكلمات تؤذن بأمة متطورة عبر نسب المشاركات والتعليقات واللايكات، برز التعليق الابرز عبر "تويتر": "فجأة ضج العالم كله، ماذا لو استيقظت يوماً وفتحت المصحف ولم تجد حرفاً، رُفعت الأقلام وجفت الصحف ولم يبق سوى ما حفظ في الصدور؟".
ناشط آخر وجه الاتهام الى "ناسا" و"الموساد"، الذي تمكن أخيراً من اختراق "واتس آب"، بحسب رأيه، فيما آخرون اعتبروا ان لانقطاع الخدمة "دورس وعبر لمن اعتبر".
لكن مهلاً.. ماذا لو فعلاً تعطلت كل وسائل مواقع التواصل الاعلامي فجأة، من "واتس آب" و"فايسبوك" و"تيليغرام" و"تويتر".. هل يتخيل أحد كيف سيكون شكل العالم "أوف لاين"؟ من دون شك سنعود فوراً الى حقبة الثمانينيات حيث الهاتف الأرضي هو الطريقة الوحيدة للتواصل، والهوس بالصور يتحول الى هوس من نوع آخر، وحرارة الاشتياق تولع حرباً في زمن البرودة، وحيث لا احد يراقب أحداً، من أشخاص ودول وشركات وجواسيس وهاكرز، اما مارك زوكربيرغ الأميركي فسيوضع خارج لائحة الاتهام بتدمير العالم عبر ادماجه شعوب الامم في خدمة واحدة وموحدة وامساكه بهم من خاصرتهم.
الادمان على مواقع التواصل الاجتماعي مقابل نسيان الواقع أو الاستهزاء بتداعيات الأزمات المتكررة، البسيطة منها والكبيرة، المحلية والاقليمية والدولية، يؤدي حتماً الى تحجيم دور المواطن في مجتمعه وتكثيف دور الحاكم في تدميره لأبسط الحقوق في العيش والتعايش. ولعل أبسط ما يحتاجه اللبناني حاليا هو منحه الحق في التغيير، وهو حق قد يتمسك به وقد لا يفعل، لكن في كلتا الحالتين، إن فرصة التغيير حق مشروع ومقدس.. لكن للأسف القانون مغيّب.
خلال ساعة عادت الخدمة الى العمل، فمتى يعود النواب الى عملهم؟