ماذا لو اختفت كلّ تلك المسلسلات التي تحاكي الغرام والتاريخ وجرائم المافيا والتهريج عن الشاشات في شهر رمضان الكريم، وبقي "الصدمة"؟! حتماً، لن نكون إلا بأفضل أحوالنا وأفضل أوقاتنا وأكثرها قرباً من الكمال. ليس هذا الافتراض هادفاً إلى تسخيف الإنتاج الدراميّ الضخم المغدق علينا في هذه الفترة، وليس تقليلاً من أهميته وقيمته. لكنه محاولة خجولة، غير مبالغ بها، للقول بأن برنامج "الصدمة" المطلّ علينا للعام الثاني على التوالي، قادر على إضاءة ليالينا، بل حياواتنا، بأنوار لا تطفئها "الريموت كونترول"، ولا يسقطها مرور الزمن!
منذ انطلاقته السنة الماضية، سطع هذا البرنامج في فضاء إعلاميّ ومجتمعيّ كان أشبه بنفق مظلم. دخل القلوب، وما استأذن. حرّك الضمائر، وما فشل حتى لو عاد بعضها إلى السبات والجمود. أبكانا ورسم على الوجوه بسمات. في زمن الحروب والموت المجانيّ وقطع الرؤوس وتشرّد الملايين وغسل الأدمغة والتصنّع وتسليع الإنسان، أتانا "الصدمة" يقول أن "الدنيا ما زالت بخير". ما زال للحياة، أمل.
البرنامج الذي يعتمد أسلوب "الكاميرا الخفيّة"، طارحاً قضايا مختلفة تعايشها مجتمعاتنا العربية بشكل يوميّ ليرصد ردود الفعل السلبية والاجتماعية، ما انزلق إلى التفاهات ولا توّرط في المبالغات. في الموسم الأول، وضعنا أمام قضايا ما زالت للأسف متفشيّة: إهانة الوالدين، العنصرية، الازدراء من ذوي الاحتياجات الخاصة، استغلال المستضعفين والفقراء...فنجح أيضاً بوضعنا في مواجهة أنفسنا، ومستقبلنا برمتّه.
بالشكل والمضمون، يطلّ علينا هذا العام أيضاً. مواقف أخلاقيّة ومجموعة من المقدمين من دول عربية. واذا كانت الحلقة الأولى التي تناولت سماح زوج لزوجته بإهانة والدته قد لاقت تفاعلاً كبيراً، فإن وقع الحلقة الثانية كان أشبه ببرق ورعد في شتاء مجنون. "أطفال في مواجهة البرد" في أربع دول عربية، فيما بات هذا العالم، وبخاصة منطقتنا، خريفاً لا يكترث لدموع الصغار. تباينت ردود الفعل وتنوّعت، وفي كل بلد، كان للخير موطن.
في لبنان، قابل بعض المواطنين الطفل الذي يتوّسل كنزة تقيه الصقيع، بقلوب متجمدّة، لا رحمة فيها. ثمة من تعاطف وكاد ينتزع ثيابه عنه ليقدّمها للصغير. الحلقة كادت أن تمرّ، قويّة كسابقاتها، لولا "الراهبة"، فاستحالت عاصفة على مواقع التواصل الاجتماعيّ.
مشهد الراهبة وهي "تطرد" الطفل من أمامها، كان صادماً. لكنّ طارق سويد، مقدم البرنامج من لبنان، فاقم الصدمة. لم يتمالك الرجل نفسه ولم يتردد في مواجهة من يفترض بها التحلّي بالمحبة والتسامح والعطف. "Ma soeur، مش هيك كان يسوع...ما قدرت ما قلّك إياها!"، قالها سويد والحنجرة تكاد تتمزق قهراً وحزناً.
فيا الله، ماذا فعلت يا طارق؟
ألا تخشى نقمة السطحيين، المتعصبين، المتطرفين، فاقدي الإيمان والبصيرة؟ ألم تفكّر بكل تلك الحجارة التي ستُرشق بها يا رجل؟
كيف سمحت لنفسك بتخطي الخطوط الحمراء؟ ألم تعرف أنّ الأغلبية لن ترى في ردّ فعلك العفويّ سوى تصويب على ما تمثلّه الراهبة؟ هل كنت تظنّهم سيتفهمون خيبة أملك من انسان تنتظر منه الكثير من الحبّ والعطف والرحمة، على ما يُفترض؟ أجننت أنت؟!
إن كنت كذلك، فهنيئاً لك جنونك هذا. بل هنيئا لنا جميعنا بك. هنيئاً لكل من يرسم إشارة الصليب على وجهه، ولكل مؤمن وكل ملحد. اسمح لنا أن نرجمك بورود الإنسانية. بزهر الإيمان الحقيقيّ. دعنا نصفّق لانتصار الخير، في زمن جعل البشر الله قاتلاً متسلسلاً. جعلوه مارداً يلهث أمام الذهب وينام في القصور. دعنا ننتصر وإياك للحقيقة، فنعتق أنفسنا من قيود وزيف. اسمح لنا يا طارق، أن نعبد ربّك، علّنا نستحق من جديد صفة..."إنسان"!
يذكر أنّ سويد كتب على صفحته على فيسبوك تعليقاً عقب عرض الحلقة، جاء فيه:"اوكي، ما استغربت انو حلقة "الطفل البردان" من الصدمة اللي تحولت ليصير اسما حلقة "الراهبة" تنشال عن مواقع التواصل الإجتماعي، و مش هون النقطة تنشال تنحط اخر هم ع قلبي...من يوم اللي صورنا هالحلقة و هالراهبة بالذات اللي ما بتمثل الا حالا، إنهارت قد ما عصبت وبكيت، طلبت نوقف تصوير، قد ما حسيت اللي عم نعملو ما الو فايدة اذا لهون وصلو اللي مفروض يكونو قطعونا بإنسانيتن بأشواط..بتذكر كتير منيح قلت لفريق العمل يومتا، شو بتشارطو انو نهار عرض الحلقة، كتار من اللي بيشبهو هالمخلوقة، بإسم الدين رح يقومو عليي و يسبوني، بدل ما يسئلو حالن كيف فيا هيك تكون...قلتلن شو بتشارطو انو ما حدن رح ينتبه للأبونا اللي بالحلقة اللي ما تحمل يشوف الطفل البردان و فات ليشتريلو كنزة و اللي قربت و غمرتو من قلبي...جواب كتير من فريق العمل كان يومتا، قد ما كانو متأثرين متلي، لا مش معقول يا طارق حدن يشوف تصرفا وما يكون عندو علامة استفهام و يسئل وين موجودة هالانسانة و ما تكون بتعامل ولادنا هيك... قلتن لاء... ما رح يكون هيدا همن، همن يتخبو خلف اصبعن، لهل سبب غطيتلا وجا، واليوم ندمان..ايه ندمان لأن شلت كل كلمة "انقبر" اللي قالتا للطفل.. لأني حذفت كل كلمة "يا مجوي و يا وسخ"...يسوعي انا غير...غير.. يسوعي كلو محبة...بيشيه الابونا اللي شفتوه بالحلقة واللي كلو محبة واللي قررتو ما تشوفوه... يسوعي انا تعلمت منو كون انسان... ما اجرح انسان... ما اسكت عالشر ودافع عن الضعيف والموجوع... حس بوجع غيري.... هيدا يسوعي...."