بالرغم من أن ما حصل في ساحة النجمة غير مقبول في كل المقاييس، فالذي تعرض له متظاهرون هو عنفٌ مفرط وغير مبرر، وكان بالإمكان تفاديه وعدم الإضرار بصورة الديمقراطية في لبنان، غير أن الناس وعلى مواقع التواصل تعاملت مع الحدث من زوايا مختلفة.
فحادثة الضرب والإعتداء التي تعرّض لها شابات وشبان من "الحراك المدني" قرب ساحة النجمة، رفضاً للتمديد للمجلس النيابي، على يد عناصر يرتدون الزي العسكري، أثارت موجة إستنكار عبر وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، وقد إنقسم اللبنانيون الذين إنخرطوا في نقاشات لا تخلو من الحدّة والسباب والشتائم والإتهامات المتبادلة، إلى ثلاثة إتجاهات:
- الرأي الأول مناصر بشكل متطرّف للمتظاهرين، وقد شجب وإستنكر ما تعرّض له المواطنون، وكالوا الإتهامات للجيش وطالبوا بالمحاكمات والعقاب.. ألخ
- الرأي الثاني المناصر بشكل كلّي للسلطة السياسية على تنوّع إتجاهاتها وسياساتها وأحزابها وتياراتها، إتهم المتظاهرين ب" خربطة" السلم الأهلي، والتعدّي على هيبة ومعنويات الجيش.
- والرأي الثالث وهو الأكثر موضوعية، الذي أدان حادثة الضرب، ورفض في الوقت ذاته إستفزاز المتظاهرين لعناصر الجيش، وأكّد أن سرية حماية مجلس النواب تتلقّى أوامرها من شرطة مجلس النواب، وهي تتبع إدارياً فقط للجيش، وقيادة الجيش ليست مسؤولة عن أفعالها..
وبالرغم من تأكيد شرطة مجلس النواب بأن التبعية العملانية للعسكريين المولجين حماية مجلس النواب هي لشرطة المجلس، وبالرغم من أن المتظاهرين كانوا عُزّلاً وأثبتت الفيديوهات التي بُثت على قنوات التلفزة ووسائل التواصل الإجتماعي، تعدّي العسكريين بالضرب على الشابات والشبان، فإن كلّ فريق بقي متشبّثاً برأيه يكيل الإتهامات للفريق الآخر دون منطق أو موضوعية.
العميد المتقاعد سامي الرماح، رأى أن المتظاهرين يجب أن يلتزموا القانون وتعليمات رجال الأمن، لأنهم ينفّذون أوامر رؤسائهم، وأن لا يتجاوزوا النقاط المحدّدة والمراكز العسكرية التي لها خصوصياتها، وفي الوقت ذاته يجب عدم إستخدام الشدّة ضدّ المدنيين العُزّل دون سبب، ويقتضي توقيف المشاغبين دون التعرّض لهم.
من جهته، العميد المتقاعد في قوى الأمن الداخلي فوزي بدران، رأى أن موجبات إستخدام الشدّة يعرفها رجال الأمن، ويجب التقّيد بأحكامها، في الوقت عينه على المتظاهرين الذين يكفل القانون حريتهم، إحترام رجال الأمن وعدم إستفزازهم، كونهم ينفّذون أوامر رؤسائهم، وليس لهم أن يحوّروا أهدافها أو عدم التنفيذ، فالقوانين العسكرية واضحة في هذا المجال.
أما العميد الركن المتقاعد جورج نادر، فأكد ضرورة أن نُعيد توجيه البوصلة بالإتجاه الصحيح، فالشرطة العسكرية تولّت التحقيق بالموضوع، وقائد الجيش العماد جوزيف عون لن يرضى بأقل من معاقبة من يُظهره التحقيق مسؤولاً، إنما يقتضي عدم الكلام مجدّداً في الموضوع، وعدم تناول الجيش في التعليقات، ودعا نادر "في هذه المرحلة الدقيقة أن نكون خلف جيشنا الوطني، الذي يستنفر طاقاته وإمكاناته القصوى في الدفاع عن الوطن كل الوطن، وعدم المسّ بهيبته ومعنوياته"، وإقترح على قيادة الجيش تسوية الوضع العملاني لسرية حرس مجلس النواب، فإما أن تكون تابعة عملانياً لقيادة الجيش تتلقّى أوامرها منها، وإما إستصدار مرسوم نقل عناصرها إلى ملاك شرطة مجلس النواب.
وأهاب نادر بالمواطنين عدم تناول الموضوع مجدّداً كونه أصبح في عهدة الضابطة العدلية الشرطة العسكرية، وعدم توفير الفرص للمندسّين الذين يريدون الإيقاع بين الجيش وشعبه، في الوقت ذاته، فإن حرية التظاهر والمعتقد يكفلها الدستور ويقتضي حماية المتظاهرين، كما فعل الجيش في 8 و 14 آذار 2005، حيث أمّن حماية ملايين المتظاهرين "دون ضربة كف"، معبّراً عن إلتزام ورقيّ ومناقبية عسكرية قلً نظيرها، فالجيش حامي الأمة، وحامي الشعب وحرياته، ويقتضي عدم التعرّض له في هكذا أحداث وقعت وربّما ستقع في المستقبل، أو إقحامه في زواريب السياسة الداخلية.