لم يعد الجبيليون يتباهون بأن مدينتهم أطلقت الحرف وحسب، بل باتوا يفاخرون بكونها طوّعته ليستحيل حقيقة ملموسة ومُجسّدة على أرض الواقع. فمثلاً، تحررت حروف "جبيل أحلى" من شعار مقيّد بالحبر والورق، لتُترجم أفعالاً وإنجازات وأحلاماً في طور التنفيذ. على هذا النحو، ما انفكّت جبيل في السنوات الماضية تصبو نحو التألق والإبداع إلى الحدّ الذي وصلت فيه إلى العالمية، من دون أن يعني ذلك إهمالاً أو إغفالاً عن الإنماء الداخلي على المستويات كافة. واقعٌ لا يعايشه ويتحسسه أبناء جبيل بعامة أو الداعمين للمجلس البلدي الحالي برئاسة زياد حواط بخاصة وحسب، بل أيضاً كلّ من تطأ قدماه أرض هذا "الكوكب" الذي يحاكي لبنان "قطعة سما"!
لكن فيما ينهمك الجبيليون راهناً وكعادتهم باستقبال اللبنانيين من مختلف المناطق اللبنانية والسيّاح من حول العالم، فإن علامات التعجب والاستغراب بدأت ترتسم على وجوههم منذ لحظة الإعلان عن مشروع تشكيل "بلدية ظلّ" برعاية "التيار الوطني الحرّ" ودعمه المطلق. ألف سؤال وسؤال يُطرح حول الخلفيات والأهداف وحقيقة "النوايا" والتوقيت، لكنّ على حد قول أغلبية الجبيليين: "فتّشوا عن الأجوبة في "أجندات" الانتخابات العامة المرتقبة بعد عام!
الأسبوع المقبل، وتحديداً مساء الرابع من تموز، سيتوجه رئيس "التيار الوطني الحرّ" جبران باسيل إلى فندق "اوريزون" في بلدة حبوب، ليرعى ويطلق "بلدية الظلّ – مدينة جبيل". لماذا هو تحديداً، بل لماذا جبيل على وجه الخصوص؟!
بحسب ما يسوّق المعنيون في بلدية الظل المرتقبة في الوسطين الإعلاميّ والمجتمعيّ، فإنها كناية عن "بلدية رديفة قرر شباب جبيليون إنشاءها منذ انتخابات الـ 2016 البلدية"، والهدف منها مراقبة عمل المجلس البلدي وطرح المشاريع وعرضها عليه. يصرّ هؤلاء، ومعهم كوادر "التيار" ونوّابه على أنّ هذه المبادرة لا تسعى إلى أن تكون جبهة معارضة للمجلس البلدي الحالي أو محاولة استيلاء عليه أو وسيلة لتصفية حسابات انتخابية، بل هي "خطوة ديمقراطية تصبّ في صالح المدينة". الإيجابيّة التي يتوّسلها أصحاب هذا التحرّك تدفعهم إلى التأكيد مراراً وتكراراً بأن نطاق عمل بلدية الظلّ سيكون انمائياً بامتياز لا سياسياً، وبأن كلّ الأحزاب اللبنانية مدعوة إلى المشاركة بها ودعمها، "لا سيّما أن "أعضاءها ليسوا جميعاً من المنتسبين إلى التيار البرتقالي".
وعن مفهوم بلديات الظلّ ووضعها القانونيّ، يتحدث وزير الداخلية الأسبق زياد بارود، فيؤكد عبر موقع "لبنان24" بأن "لا وجود دستورياً لحكومات أو بلديات الظلّ وليس لها أي موقع في الدولة وبالتالي لا يمكنها اتخاذ تدابير ملزمة، ولا يمكن أن تحلّ مكان المجلس البلدي المنتخب أو رئيسه". وإذ يلفت إلى أن هذا المفهوم متداول في عدد كبير من دول العالم وعلى رأسها بريطانيا حيث دائماً ما يُشكّل الحزب المعارض حكومة ظلّ لمراقبة عمل الحكومة "الدستورية"، يعتبر أن بلديات وحكومات الظلّ ليست غريبة عن الحالة الديمقراطية، لا سيّما أنها كناية عن إطار تنضوي تحته مجموعة من المواطنين الراغبين بالتعبير والمشاركة والمراقبة والمحاسبة بشكل منظم. ويرى بارود أن بلديات الظلّ ليست بالضرورة جبهات معارضة ومحاسبة، بل يمكن أن تكون حالة مدنية وشعبية وحتى حزبية، مواكبة للعمل الرسمي وداعمة له من خلال الأفكار والمبادرات التي تقدمها ضمن الأصول والقانون. ويقول:"لا شيء يمنع إنشاء بلديات ظلّ مواكبة لبلديات محسوبة على التيار الوطني الحرّ أو سواه من الأحزاب"، داعياً بذلك إلى تعميم هذه المبادرة بغية "تعزيز الديمقراطيّة والشفافية".
نحن في لبنان!
لكن مهلاً، نحن لسنا في بريطانيا، بل في لبنان! هنا، تختلف الأمور كثيراً.
هذا هو حال لسان أغلبية أبناء المدينة الذين يتملكهم الاستغراب راهناً. الأجواء العامة هنا تبدو رافضة إنشاء "بلدية الظلّ البرتقالية قلباً وقالباً"، كما يقولون ، مؤكدين أن أعضاءها هم جميعهم من المنتسبين إلى التيار والمناصرين له.
كان يمكن الجبيليون أن يتلقفوا هذا "المشروع" بإيجابية انطلاقاً من إيمانهم بالديمقراطية والمبادرات البناءة لولا جملة من الملاحظات وسيل من التساؤلات والأحجية التي يصعب عليهم هضمها واستيعابها. ولعلّ السؤال الأبرز الذي يطرحه هؤلاء هو "لماذا بلدية جبيل تحديداً دون سواها، علماً أنها من أنجح التجارب البلدية بدليل الازدهار الذي شهدته المدينة على عهد "جبيل أحلى"؟! وإذ يصعب عليهم أن يصدقوا نظرية "مواكبة عمل المجلس البلدي الحالي لا معارضته"، راحوا يفتشون عن الأهداف الحقيقية، فوجدوها سريعاً: المطلوب هو... زياد حوّاط!
"القصة واضحة وفاضحة مثل عين الشمس"، يردد كثيرون بثقة. برأيهم، الموضوع برمته يتعلق بالانتخابات النيابية المقبلة، ولا سيّما بعد تداول معلومات عن نيّة حوّاط خوض الاستحقاق النيابي. سرعان ما يحضر إلى الأذهان اقتراح تقديم رؤساء البلديات استقالتهم قبل سنتين من موعد الانتخابات باعتباره من أبرز الأسلحة التي أريد استعمالها في الحرب عليه. لكنّ هذا الطرح سقط، فكان لا بدّ من الاستعانة بـ "أسلحة" غير تقليدية، تمّ تصويبها مباشرة على مجلس بلدي منحه الجبيليون ثقتهم المطلقة في الانتخابات البلدية، مرتين!
ولعلّ أكثر ما عززّ سلبية موقف الجبيليين تجاه "بلدية الظلّ" هو توقيتها، فقبل عام من الموعد المقرر لإجراء الانتخابات النيابية، يتقرر أن تولد من "رحم" التيار الذي "أبدع" رئيسه في الآونة الأخيرة، في طرح مشاريع قوانين انتخابية وأفكار لامست "المرّيخية" المتقوقعة غير القابلة للتنفيذ أو الاستيعاب. والخلاصة بحسب هؤلاء، هي أنّ "المهندس جبران باسيل" قد أعلنها حرباً مفتوحة وشرسة لإقصاء حواط، فترك البترون و"فرمل" نشاطاته وآخرها تكريم رئيس مجلس إدارة شركة "سوكلين" ميسرة سكر على "عطاءاته"، ليتفرّغ إلى المعركة الانتخابية في جبيل، والتي يبدو أنها ستكون ملتهبة أكثر من "مي تموز لي بتغلي بالكوز".
وعلى رغم تأكيد العونيين تأييدهم تعميم هذه المبادرة على مختلف البلديات في لبنان، فإن الأغلبية مقتنعة بأن "استنسابية الديمقراطية البرتقالية باقية وتتمدد"!
في أحد شوارع مدينة جبيل الذي اكتظّ على وجه السرعة بالمطاعم والمقاهي، يجتمع عدد من الشباب في مساء "ورديّ الشرفات"، ويتداولون في الأوضاع العامة. يؤتى على ذكر "المشروع" المرتقب الأسبوع المقبل. يرمي أحدهم مزحة ثقيلة: "أيش اسما دخلكن: بلدية ظلّ أو بلدية ذلّ". يضحك الجميع، ويمضون بسلام مطمئنين.