"قديش حلو لي عم تعملو.. بتروحو لعند مريض "الكانسر" يلي خايف ومرعوب، وبتقولولو: معليه، شوف ما احلانا نحن كنا محلك من قبل، بتمسكولو ايدو...بتقولولو: رح يهرّ شعرك، بس ليك شعرنا ما احلاه صار، رح يرجع يطلع أحلى من ما كان... رح تمرق بوجع كثير، بس هيّ فترة وبتمضى... وفي أحلى منكن لما بتروحو وبتشوفو المريض يلي عم بموت؟ خبروني قصة عن مريض، يلي رحتو قبل بيوم من ما مات، غنيتلولو وعزفتولو أغاني وديع الصافي يلي كان كثير بحبا...هالمريض قد ما انبسط فيكن... مات والبسمة على وجّو". بهذه الكلمات المؤثرة التي تفيض أملاً وامتناناً، توّجهت المديرة والرئيسة التنفيذية لمستشفى ومركز بلفو الطبي الجامعي ضياء حسان إلى منظمة دياكونيا خلال إطلاق مبادرة الـChemo Care Kit الفريدة من نوعها والأولى في لبنان، وذلك في لقاء أقيم في حرم المستشفى تخلله شرحٌ عن ماهيّة هذه المبادرة وأهدافها.
ولأن هذا المرض لم يوفر أي عائلة فطرق بابها ناشرا آثاره السلبية والنفسية على المريض وأهله معا، كان لا بد من السعي لتخفيف رحلة العلاج الكيميائي المرهقة عبر توفير مستلزمات بسيطة وضرورية موجودة في ال " ”Chemo Care kit، ترافق المريض وتقلص من آثار العلاج فتخفف بالتالي من حدّة آلامه.
هذه المبادرة التي تندرج ضمن إطار التعاون المستمر بين "بلفو" ومنظمة دياكونيا التي تعنى بتخفيف عبء المرض للذين يخضعون لعلاج الأمراض المزمنة، أتت متماهية مع "نظرة المستشفى وسعيها الدائم لإضافة اللمسة الإنسانيّة في رحلات العلاج"، وهي ستكون متوّفرة بشكل دائم ومستمرّ.
الفكرة تقتضي تزويد المريض بكيس يحوي مجموعة من المستلزمات البسيطة التي لا يخطر ببال أحد كم هي نافعة وضرورية: مرهم للشفاه والجسم لمحاربة الجفاف الذي يسببه العلاج، كتب للملاحظات، موسيقى، كلمات متقاطعة لتمضية الوقت أثناء الإنتظار ولإبقاء الذاكرة فعالة إذ يمكن للعلاج أن يسبب في تشوشها وغيرها من المستلزمات التي يحتاج إليها كل مريض يمرّ في هذه المرحلة الصعبة.
ولعلّ ما في داخل الكيس من مُستلزمات ماديّة هي أيضاً ذات رمزيّة تحاكي عوارض العلاج، فيعرف المريض ما الذي ينتظره وكيف السبل إلى تخفيف آثاره. لكنّ ما يحويه "الكيس" أيضاً هو أبعد من أغراض ماديّة، إذ إنه أنجع وسيلة لإظهار الدعم والمحبة والتضامن.
وتعليقا على هذه المبادرة، تحدثت حسان قائلة: " لفتة بسيطة منا تجاه الذين نحبهم يمكن أن تحدث فرقا كبيرا في المراحل الصعبة التي يمرون بها، فنكون لهم دعم ونساعدهم على تحدي المرض والتخفيف من حدته. وهذا ما سعينا إليه من خلال إطلاق هذه المبادرة مع منظمة دياكونيا التي نشكرها كونها تساعدنا في تأمين رعاية خاصة تحسن نوعية حياة المرضى إذ لا يمكننا أن ننسى مدى أهمية الإهتمام العاطفي والاجتماعي بالمريض ومساهمتهما الفعالة في عملية الشفاء."
وفي حديث خاص لموقع "لبنان24" شرحت مديرة "دياكونيا" ريما بوجوك أن الجمعية لبنانية، ذات طابع غير ربحيّ، وموجودة في لبنان منذ ست سنوات، لافتة إلى أنّ "معظم أعضائها هم من الأشخاص الذين مرّوا سابقاً بتجارب المرض، أو أشخاص رافقوا مريضاً، فأحبوا ألا تضيع خبرة الوجع سدى".
وأشارت إلى أن "الجمعية تقدم الدعم المعنوي لمرضى السرطان داخل المستشفيات وخارجها، ومن ضمن الأنشطة التي تُقوم بها، اصطحاب المرضى وذوويهم في عطلة نهاية الأسبوع إلى أحد الفنادق حيث يتمّ جمع المرضى مع بعضهم فيتعارفون ويتكلمون عن أمور مشتركة، والأمر نفسه ينطبق على الأهالي الذين يتشاركون التجارب. ويدخل ضمن هذا "الويك أند" العلاجيّ، أنشطة فنيّة من مسرح وموسيقى ورسم، وكلّ ذلك يصبّ في هدف حضّ المريض على التعبير عن نفسه.
وعن مبادرة " Chemo Care kit"، لفتت الى أن الشراكة بدأت مع مستشفى "بلفو" حيث الأجواء مواتية لهكذا مبادرات، ذلك أنّ المركز يؤمن بأن الدعم المعنوي والنفسي والمرافقة الدائمة يشكلان قسماً كبيراً ورئيسياً من العلاج، مؤكدة أنّ الفكرة قابلة للتعميم على المستشفيات كافة.
وإذ تضطلع الجمعية بدور الداعم الدائم المتواجد في حرم المستشفى بحيث تتمّ مقابلة المريض "الجديد" لتعريفه على رحلة العلاج، تؤكد بوجوك أنّ "معظم المرضى يصبحون متطوعين في الجمعية بعد شفائهم".
وفي حديث خصّت به موقع "لبنان24" تحدثت د. حسان عن سياسات "بلفو" التي تجهد في تطبيقها للوصول إلى أعلى المعايير الطبية والإنسانية معاً، فاعتبرت أنّ ما يميّز المستشفى هو إصراره على تقديم العلاج للانسام بشكل كامل (holistic approach )، وقالت:"نحن نعرف أن الطبيب يعالج الجسد، لكن الدواء وحده لا يكفي وبخاصة بالنسبة إلى مرضى السرطان، ومن هنا ضرورة أن يطال العلاج الجسد، الروح والعقل في آن، ما يساهم في فعاليته".
ولفتت حسّان إلى أن المستشفى أدخل علاجات تكاملية أو ما يُعرف بـ
integrative medicine، وهي تلك التي تترافق مع العلاج الطبي الأساسي، ومنها على سبيل المثال العلاج بالطاقة الذي يُمكّن المريض من تخفيف العوارض أو وقفها عبر حركات معيّنة على 26 نقطة موجودة في الجسم، العلاج بالموسيقى evidence based healing music، العلاج العطري (Aromatherapy) وغيرها من العلاجات التي تدفع المريض إلى التفكير بطريقة إيجابية لرفع معنوياته وقدراته.
وإذا تقرّ حسان بأسف أنّ القطاع الصحيّ ابتعد عن الجانب الإنسساني فأصبح تجارياً كقطاع الأعمال، تشير إلى أنّ "بلفو" الذي نال شهادة الجودة العالمية من اللجنة المشتركة الدولية (JCI)، يعمل بجهد لإعادة الحسّ الإنسانيّ وترسيخه في قطاع الطبّ، ومن هنا يقوم بشراكات عديدة مع جماعات دعم موجودة في المجتمع، مثل المنظمات غير الربحية، والتي عادة ما يكون أعضاؤها قد عاشوا تجارب المرض، تماماً مثل "دياكونيا" التي أتت في الوقت المناسب، فتطابقت خدماتها مع نظرتنا للعلاج".
وإذ يقيم المستشفى حلقات شفاء أو ما يُعرف بـ healing circle للموّظفين العاملين فيه من أجل دعمهم نفسياً ومعنوياً وتحسين أدائهم، فإنه اليوم يضع اللمسات الأخيرة على سياسات جديدة يسعى الى ترسيخها، مع ما تحمله هذه المهمة من صعوبات لكونها تندرج ضمن تغيير في الثقافة السائدة. وفي هذا الإطار، تقول د. حسّان:" نريد أن يكون محور اهتمامنا الأول والرئيس هو المريض فلا يشعر بأنه مجرد رقم بل انه انسان، ومن هنا نطمح إلى إشراك المريض والأهالي والمجتمع ايضاً في رسم الخطط من خلال مشاركتنا بآرائهم وطموحاتهم ومتطلباتهم".
في المحصلة، يتضح أن لبنان بحاجة إلى مثل هذه المبادرات والشراكات بين القطاع الطبيّ والمجتمع والمنظمات كي يخطو خطوة إضافية في طريق الإنسانيّة. ولعلّ "الكيس" الصغير الذي سيحصل عليه مريض السرطان قبل دخوله إلى غرفة الألم والأمل، يستحيل زوّادة ثمينة لا ينضب نبعها.