تحتفل الكنيسة في الـ 15 من شهر آب في كلّ عام بعيد "انتقال السيّدة العذراء" والدة المسيح بالنفس والجسد إلى السماء بحسب تعبير الكنائس الغربية، وهو معروف أيضاً بعيد "رقاد السيدة العذراء" بحسب التعبير التي تتبنّاه الكنيسة الشرقية، وهو يشكّل نقطة تلاقٍ ووحدة بين الكنائس الشرقية والغربية التي تكرّم العذراء وتقدّسها ولو بطقوس مختلفة.
ويذكر التقليد المسيحي الشرقي أنّ الكنائس الشرقية كانت تخصّص قديماً 3 أشهر في السنة للعذراء مريم، وهو ما تأكّده ترنيمة ليتورجية قديمة تقول: "ليكن تذكار المباركة ثلاث مرّات في السنة: في كانون يكون تذكارها على الزروع (سيّدة الزروع)، وفي أيّار على السنابل (سيّدة الحصاد)، وفي آب يكون تذكارها على العناقيد (15 آب)، بما أنّ هذه العناقيد تصوّر سرّ الحياة".
كما يظهر ذلك في كتابات آباء الكنيسة إذ يقول القديس يوحنا الدمشقي: "كما أنّ الجسد المقدّس النقي، الذي اتخذه الكلمة الإلهي من مريم العذراء، قام في اليوم الثالث هكذا كان يجب أن تُؤخذ مريم من القبر، وأن تجتمع الأم بابنها في السماء"، وذلك في إشارة إلى الانتقال بالروح والجسد من الأرض إلى السماء. أما القديس بطرس دميانوس فيصوّر الانتقال بالقول: "في صعودها جاء ملك المجد مع أجواق الملائكة والقديسين لملاقاتها بزفةٍ إلهية، ولهذه الأقوال نجد صدىً في الكتاب المقدس ولاسيّما نشيد الأناشيد".
ويتحدّث كتاب "الإنجيل الطّقسي" الصادر عن بكركي عام 2005 عن هذا العيد بالقول: "بحسب التقليد المسيحي في الشرق والغرب تعلن الكنيسة عقيدة إيمانية أنّ سيدتنا مريم العذراء قد انتقلت إلى السماء بنفسها وجسدها. أعلن ذلك البابا بيوس الثاني عشر سنة 1950. إنّنا لا ننكر بذلك موت العذراء بل نؤمن بأنّها انتقلت فيما بعد إلى السماء بدون أن يرى جسدها الفساد وذلك بامتياز خاص من الله. فكما اختارها أماً وعذراء، وكما عصمها من الخطيئة الأصلية كذلك نقلها إليه بطبيعتها الإنسانية الكاملة نفساً وجسداً. إنّ تاريخ هذا العيد قديم، يعود الى ما قبل الجيل السادس على الثابت. وإنّنا نجد لكلّ قديس مكاناً يكرمون جسده فيه ما عدا العذراء اذ لا يوجد تقليد واحد عن تكريم جسد العذراء. يحتفل اليوم بهذا العيد كلّ المسيحيين شرقاً وغرباً الكاثوليك وغير الكاثوليك، ما عدا البروتستانت".
الأب أثناسيوس شهوان مسؤول قسم الإنتاج في "المركز الأرثوذكسي الأنطاكي للإعلام" يشرح في حديث لـ"لبنان 24" عن سبب تسمية الكنيسة الشرقية هذا العيد بعيد "الرّقاد" وليس "الانتقال"، فيقول: "هناك جداريات ومخطوطات وصلوات ظهرت في القرنين الأول والثاني تركّز على مسألة جوهرية وهي أنّ تكريم العذراء مريم هو تكريم للحدث الإلهي ككلّ، وبالتالي لا يوجد فصل بين الحدث الإلهي كوالدة الإله وتكريمها"، ويضيف: "ابتداء من القرن الثاني الميلادي، بدأ تكريس شهر آب للعذراء مريم، ويمكن تلخيص نظرة الجماعات المسيحية آنذاك إلى العذراء بـ 3 نقاط أساسية:
1- النقطة الأولى هي حرية القرار، أي أنّها عندما سألت من الملاك جبرائيل في البشارة، قالت نعم بملء حريتها وإرادتها.
2- النقطة الثانية أنّه يكون لوالدة الإله التكريم وليس العبادة، لأنّها هي من قالت: "تعظّم نفسي الرّب، وتبتهج روحي بالله مخلّصي". أي أنّها مكرّمة لأنّها قبلت بقرارها أن يتجسّد المسيح في أحشائها.
3- النقطة الثالثة هي أنّ العلاقة مع مريم العذراء منبثقة من التجسّد، وبالتالي هي تمثّل اللقاء السماوي – البشري الذي حدث في البشارة، وبما أنّه من خلالها حدث هذا اللقاء السماوي الأرضي، وبما أنّ يسوع المسيح قال: "من آمن بي وإن مات فسيحيا"، فإنّه حين رقدت العذراء لم تمت، لأنّ قانون الإيمان الذي وضع في القدم عام 325 م لم يذكر كلمة الموت، لأنّ يسوع المتجسّد من العذراء مريم هو الإله والإنسان، فمات بطبيعته البشرية لكن طبعاً بطبيعته الإلهية لم يمت والمسيحية لم تستعمل كلمة موت.
لذلك فالعذراء حين رقدت فالله هو من أقامها إليه وليست هي من انتقل بقدرتها، لذلك نحن نسميه عيد الرقاد وليس الانتقال".
وعن المثال الذي تمثّله مريم العذراء بالنسبة للإنسان يوضح الأب شهوان أنّ "كلّ إنسان يتمثّل بسيرة العذراء مريم ويقول "نعم" للرّب فهو يرقد ولكن ينقله الله إليه"، ويضيف الأب شهوان: "هو عيد انتصار الله الإنسان على الموت، فالله أظهر لنا من خلال رقاد العذراء أنّني لست أنا فقط من قام من بين الأموات، بل أنّني أقمت الإنسان إلي لأنّ مريم العذراء هي إنسان كامل ونحن نستطيع أن نتمثّل بها".
ويرى الأب شهوان أنّه "لدينا ميزة هنا في لبنان وهي أنّنا لا نزال نحافظ على تقليد الصوم من الأول من آب وحتّى الـ 15 من آب، ثمّ نقيم الصلوات في كلّ ليلة، إضافة إلى أنّ الناس اندمجوا عاطفياً مع هذا العيد وأصبح عيداً مرتبطاً بالعادات والتقاليد الاجتماعية ليس فقط عيداً دينياً".
ويختم الأب الشهوان: "دعوتنا من خلال هذا العيد هي أنّه كما كانت العذراء مجتمعة مع الرّسل كعائلة والربّ على رأس هذه العائلة، فإنّه علينا أن نجتمع كعائلات خاصة في هذا الشرق وفي لبنان ويكون لدينا "ربّ عائلة"، لأنّ ما يُضرب في لبنان حالياً هو مفهوم العائلة، وإذا ضربت العيلة فإنّنا نخسر كلّ شيء".