لم يَخرج لبنان ولن يخرج قريباً من الحفرة الهائلة المحشوّة بالسيناريوات الغامضة. فاستقالة «طَفَحَ الكيْل» التي رمى بها رئيس الحكومة سعد الحريري أول من أمس ومن المملكة العربية السعودية في وجه «حزب الله» وإيران، قلبتْ وعلى نحوٍ صادِم ومدوٍّ المشهد اللبناني، بعناصره الإقليمية، رأساً على عقب وسط مؤشراتٍ على أن البلاد التي انزلقتْ وفي شكلٍ دراماتيكي الى أزمةٍ سياسية مفتوحة، دخلتْ من الباب العريض حلبة المواجهة المتعاظمة في المنطقة وخصوصاً بين إيران والمملكة العربية السعودية.
فشظايا «الصاعقة الحريرية» التي فاجأتْ الجميع بلا استثناء وكثُرتْ التأويلات حيال ملابساتها، أَسقطتْ وبالضربة القاضية ما يصفه البعض في بيروت بـ «ورقة التوت» المتمثلة بالتسوية السياسية وفترة السماح لها بعدما أتاحتْ لـ «حزب الله» كسْب «مشروعيةٍ» لأدواره في الداخل والخارج وإلحاقه لبنان بالمحور الإيراني، وتالياً فإن استقالة رئيس الحكومة وضعتْ الحزب وجهاً لوجه أمام الأثمان الخطرة الناجمة عن خياراته عبر حرمانه أيّ غطاء وطني يحتمي به للمضي بمشروعه وما يرتّبه من تداعيات ضخمة.
ولم يؤدِّ مرور الساعات الثقيلة على الاستقالة التي وُصف وقْعها بـ «الزلزال السياسي» الى تبديل حرفٍ واحد من حال الذهول التي أصابتْ بيروت... فالبلاد دخلتْ مرحلةً قاسية من انعدام الجاذبية مع قرْع طبول المواجهة الكبرى، فيها وعليها، واللاعبون المحليون يعانون «عمى ألوان» سياسياً وسط «طوفان» من الأسئلة عن سرّ استعجال الحريري استقالته وطريقة «إخراجها» ومبررات انتفاضته، إضافة الى علامات استفهامٍ لا تقلّ وطأة حول الردّ المحتمل لـ «حزب الله» وإيران ومواقف اللاعبين الإقليميين والدوليين من الوقائع الجديدة في لبنان.
فلبنان، الذي عانَد طويلاً الانضمام الى «نادي الدول المشتعلة» في المنطقة، كأنه الآن في رحلة عبورٍ «مثلث برمودا»، فهل يَخرج سالماً أم أن اللعبة الكبرى ستجعله «طائر فينيق» آخر يستهوي الخروج دائماً من... الرماد؟ هذه المقاربة المأسوية للحظة المصيرية التي يجتازها لبنان تَعْكس وبواقعيةٍ شديدة ما آلتْ إليه الأمور في الأيام الثلاثة الأخيرة عندما ذهب الحريري الى الرياض التي قد لا يعود منها... حتى إشعار آخر.
وفي تقدير دوائر مُراقِبة في بيروت أن ما قاله مستشار المرشد الإيراني على أكبر ولايتي من العاصمة اللبنانية يوم الجمعة الماضي كان بمثابة «القطْرة التي أطفحتْ الكأس»، ولا سيما إعلانه ومن على منبر السرايا الحكومية ضمّ لبنان، وبلا مواربة، الى المحور الإيراني «المُنْتصِر في المنطقة»، قبل أن يفاخر بأن أطراف هذا المحور تعتزم الذهاب الى الرقة السورية التي تحظى بعناية أميركية - سعودية بعد طرْد «داعش» منها، إضافة الى ما يتردّد عن كلام ولايتي داخل الغرف المقفلة عن اليمن وسورية والعراق وسواها.
(الراي الكويتية)