أكد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان أمام زواره، أن "المشاورات واللقاءات والحوار الهادىء والحكمة في معالجة الأمور بين كافة الأطراف والقوى اللبنانية هي ضرورة وطنية خاصة في الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان". وقال: "إن استقالة الرئيس سعد الحريري التي نتفهمها، أتت في ظروف صعبة ومعقدة في لبنان والمنطقة". ودعا إلى "التريث في اتخاذ أي موقف من الاستقالة وضرورة التماسك الداخلي والمحافظة على الوحدة الوطنية". وقال: "علاقات لبنان بالدول العربية الشقيقة وبخاصة المملكة العربية السعودية هي علاقات أخوية تاريخية، نحرص عليها لما تشكل من مكانة دينية وعربية ودولية".
واستقبل دريان الرئيس تمام سلام الذي قال على الاثر: "لقائي اليوم مع سماحة المفتي بعد عودتي من السفر، هو طبعا في إطار التداول والتواصل حول الظروف التي تحيط بنا، وأبرزها ملابسات استقالة الرئيس الحريري. الرئيس الحريري كما يعلم الجميع تحمل الكثير، وأخذ خيارا وطنيا كبيرا في ما تحمله، ونحن بالتالي كنا إلى جانبه وما زلنا نؤمن بأن ما يمثله الرئيس الحريري هو ما نتمناه جميعا من كل مرجعية وكل مسؤول وطني حريص على لبنان واللبنانيين. وأنا على يقين بأنه رغم صعوبة الظرف، ورغم صعوبة الوضع الذي فيه الرئيس الحريري اليوم يبقى حسه الوطني ومسؤوليته الوطنية في مقدمة مشاغله وفي مقدمة همومه، ولبنان معه وسيبقى في فكره وفي ذهنه".
أضاف: "نحن نتطلع إلى أن نتعاضد دائما مع الرئيس الحريري لما فيه مصلحة وطننا الحبيب لبنان، علما أننا يجب أن نعلم جميعا أن لبنان وطن لجميع أبنائه، ولبنان فيه مكونات طوائفية واجتماعية ومناطقية توافقت على التفاهم، توافقت على اعتماد ما عرف باتفاق الطائف كوسيلة لترتيب أوضاعها الداخلية، ولترتيب دورها في تحمل مسؤولية الحفاظ على هذا الوطن، ولا يمكن للبنان أن يستمر إذا لا سمح الله ضعف أو تراجع أو انكسر أي من مكوناته في هذا الاتفاق، وكل مرة كان هناك إحباط أو ضعف أو تراجع عند أي مكون أو تقدم أو تفوق عند مكون آخر كان يختل الميزان، وكان يقع لبنان في المحظور، فمسؤوليتنا جميعا في هذا الظرف أن نتجاوز الكثير من الخلافات، ونبتعد عن الكثير من المزايدات ومن التشنج هنا وهناك، خصوصا وأن الجميع يعلم أننا نحن في خضم أتون مشتعل من حولنا في المنطقة وفي العالم العربي بالذات بحاجة إلى كثير من التبصر، ومن الحكمة، ومن الهدوء".
وتابع: "نعم هذه دعوتي دائما لكل اللبنانيين، واليوم في هذا الظرف العصيب أكثر من أي وقت مضى، المسؤولون وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي وكافة المرجعيات الدينية تتصرف وتتعامل مع هذا الواقع المستجد بكثير من الحكمة ومن الروية، آمل أن يستمر ذلك لما فيه خير لبنان. كذلك لا بد من أن أقول: إن لبنان العربي حريص على علاقاته العربية، وفي هذا الاطار نعم علاقة لبنان مع المملكة العربية السعودية علاقة تاريخية ووثيقة حرصت فيها المملكة على مؤازرة لبنان في كل محنه، ولم تبخل عليه في يوم من الأيام. وفي تقديري أن المسؤولين اليوم في المملكة يعون ويدركون خصوصية لبنان ووضع لبنان ووضع اللبنانيين الذين يحتضنون منهم بالآلاف بل بمئات الآلاف الذين يساهمون في نهضة تلك الدول العربية، ليعوا تماما أن الحفاظ على لبنان ودعمه أمر واجب على الجميع".
وقال: "أنا ثقتي ما زالت كبيرة جدا في إخواني العرب وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية على تجنيب لبنان الكأس المرة، وعلى الأخذ بالاعتبار كل المعطيات بما يخدم لبنان. وكذلك لا بد لي اليوم من أن أتوجه بكلمة تقدير كبيرة إلى دار الإفتاء، إلى الدور الذي يقوم به سماحة المفتي في هذه الأزمة التي يواكبها بكثير من العناية منذ أول لحظاتها، وهو مستمر في ذلك ونحن إلى جانبه، ونحن كلبنانيين يهمنا وطننا لبنان قبل أن تهمنا طائفتنا، أو يهمنا فريقنا أو فئتنا، نحن فئتنا وطائفتنا وفريقنا هو لبنان الوطن الواحد الموحد، ومن هنا أشدد على الوحدة الوطنية اليوم أكثر من أي وقت مضى".
سئل: هل تتوقع أن تطول أزمة استقالة الرئيس الحريري؟
أجاب: "مثل كل الأزمات، تبدأ وتتطور، نأمل أن تكون هذه الأزمة مدخلا لمزيد من التعاضد، ومزيد من توضيح الأمور باتجاه تدعيم لبنان، كي لا تطول، وهي فرصة ربما لمراجعة الكثير من الأمور، وعند العديدين بما يخدم توجها وطنيا موحدا، وإن شاء الله لا تطول".
سئل: بعد تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة قلت: اليوم عادت الأمانة إلى صاحبها، هل ما زلت تعتبر بأن هذه الأمانة يجب أن تبقى في يد الرئيس الحريري؟
أجاب: "أنا أعتقد أن ما قلته في وقتها يقوله كل لبناني اليوم، كل لبناني اليوم إلى جانب الرئيس سعد الحريري، ونحن ثقتنا بقدرات وبإمكانات الرئيس الحريري الثابتة والمستمرة، وهذا أمر لا أعتقد أن أحدا في البلد اليوم يختلف عليه، ولا منة ولا جميل لنا بذلك".
أضاف: "نحن في تواصل دائم مع إخواننا جميعا لملاقاة كل المستجدات بما تستأهل من موقف جماعي، فردي، يساهم في تفويت الفرصة أمام كل من يريد أن يصطاد بالماء العكر. وهنا لا بد لي من ألا يفوتني التنبيه الى الأصوات النشاز، الأصوات المتطرفة، التصعيد من هنا وهناك، التحدي والاستفزاز والمزايدات، هذا لن يفيدنا في هذه المرحلة. وأعتقد أن كتلة المستقبل تتحمل عبئا كبيرا في هذه المرحلة، وغير سهل، ولا تحسد على ما هي فيه، وأعتقد أن فيها من المسؤولين ومن القادة الذين يدركون أهمية الوقوف في المكان الذي يساهم بتدعيم الوطن وليس بإضعافه".
سئل عن طلب السعودية من رعاياها عدم زيارة لبنان؟
أجاب: "يعني هذه تطورات مع الأسف عبئها قد يكون ثقيلا علينا، وهذه ليست أول مرة، ولكن نأمل أن لا تتجه الأمور إلى أكثر من ذلك. نعم لا ينكر أحد أن هذا الإجراء له سلبياته علينا، وعلى الجميع في لبنان معنويا وعمليا، نأمل أن لا يتفاقم".
سئل: ماذا عن رسالة القائم بالأعمال السعودي ورئيس الجمهورية؟
أجاب: "لم أعلم بمضمون الرسالة حتى أعلق عليها، لكن من المؤكد أن رئيس الجمهورية بما يقوم به في هذه الفترة من رعاية ومن سياسة ومن دراية بالتعاطي في هذا الأمر يعرف ما يقوم به".
سئل: هل أنتم مع مشاورات إلزامية نيابية الأسبوع المقبل؟
أجاب: "أنا في هذه المرحلة مع التريث ومع أخذ الوقت لامتصاص كل ما حصل واستيعابه، وهذا في رأيي ما يقوم به كل مسؤول وكل حريص على الوطن".
الجراح والقادري ووهبي
ثم التقى مفتي الجمهورية الوزير جمال الجراح والنائبين زياد القادري وأمين وهبي، وبعد اللقاء، قال الجراح: "زيارتنا لسماحة المفتي لشكره على كل الجهود التي يقوم بها خلال هذه الأزمة التي نمر بها جميعا، وأثنينا على دوره الكبير في حفظ الوحدة الوطنية والاستقرار والسلم الأهلي. طبعا سماحته ليس غريبا عليه هذا الدور، دائما هو في طليعة الحريصين على الاستقرار وعلى الوحدة الوطنية وعلى المعالجات، وبخاصة في الأزمات الكبيرة. نحن نراهن على دوره ومرجعيته ووطنيته الكبيرة، وجمع كل الجهود الوطنية والإسلامية، ونؤكد أن دوره جد مهم، وهو أثبت أنه المساحة المشتركة بين كل اللبنانيين بكل فئاتهم، ليس فقط على صعيد الطائفة السنية ولكن على صعيد الوطن ككل".
سئل: أكثر من مسؤول أوروبي اليوم أعلن أن الرئيس الحريري حر الحركة في الرياض، فهل أنتم في هذا الجو أيضا؟
أجاب: "نحن البارحة حقيقة عبرنا عن موقفنا السياسي في بيان الكتلة وملتزمون بهذا البيان".
المقاصد
والتقى دريان مجلس أمناء جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت، برئاسة أمين الداعوق الذي قال على الاثر: "أكدنا لسماحته موقف المقاصد من الأزمة الوطنية الحالية ووقوفنا إلى جانبه في العمل من أجل صيانة الوحدة الوطنية والمحافظة على كرامة اللبنانيين جميعا، وتمنينا التوفيق لسماحته في مساعيه وجهوده البناءة للخروج من هذه الأزمة".
أضاف: "إن ما يمر به لبنان اليوم يستدعي مزيدا من الوعي والتبصر والحكمة في معالجة الأحداث وتجنب المواقف التصعيدية محافظة على العيش المشترك والأمن والسلم للبنانيين جميعا. انطلاقا من هنا، ندعو القوى السياسية إلى التضامن في ما بينها وعدم التسابق إلى استنتاجات متسرعة حفاظا على سيادة لبنان وأمنه واستقراره ونموه. وإننا نتطلع إلى مساعدة أصدقاء لبنان في كل العالم وخاصة إلى أشقائه العرب وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية. وأشاد سماحته بموقف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وحكمتهما في معالجة الأمور".
عيتاني
والتقى أيضا، مجلس بلدية بيروت برئاسة جمال عيتاني الذي قال بعد اللقاء: "جئنا كوفد من المجلس البلدي لبلدية بيروت لزيارة سماحة مفتي الجمهورية أولا لنعبر له عن دعمنا المطلق لكل المساعي الحميدة التي تجري اليوم ولنؤكد له أن المجلس البلدي لبلدية بيروت هو انعكاس صورة لبنان التي تشمل كل الطوائف والأطياف وتعكس صورة لبنان الموحدة القوية. وثانيا أود أن أقول: إن المجلس البلدي لبيروت يؤكد على دعمه لدولة الرئيس سعد الحريري وعلى مواقفه دائما، فهو منذ البداية وقف مع خطتنا الإنمائية لبلدية بيروت ويتابع معنا دائما وسنبقى على التواصل دائما للتأكيد على خطواتنا، والمشاريع التي نقوم بها مع بلدية بيروت مستمرة وبالزخم نفسه، وإن شاء الله الأزمة ستمر بسرعة وننتهي منها".