خلقت الأزمة الأخيرة التي طرأت على لبنان، منعطفاً جديداً من النقاش السياسي، يسعى الى عدم تحويل لبنان ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
(..) لذا فإن الحوار اليوم بات مركّزاً حول كيفية الاستمرار في الحفاظ على استقرار الداخل وسط عواصف الأزمات الاقليمية، من خلال ابعاد لبنان عمّا يدور في محيطه، عبر سياسته المعتمدة، أي النأي بالنفس أم الذهاب الى ما هو أبعد من ذلك، بإعتماد مبدأ الحياد.
فما هو الحياد؟
الحياد هو حالة قانونية لدولة لا تشارك في حرب، بطريقة مباشر ة أو غير مباشرة، وتلتزم مسافة واحدة من جميع الأطراف المتحاربة مع ضرورة اعتراف الدول الأخرى بنزاهتها وحياديتها.
قانونياً، قرار الحياد يصدر بمقتضى النظام القانوني للبلد المعني، وعن الجهة الحكومية المختصة في الدولة. ووفقاً لذلك، يمنع على الدولة الحيادية الانضمام الى معاهدات عسكرية او وضع اراضيها في تصرف الدول المتحاربة بالمقابل فإن من حقها ان تدافع عن نفسها بكل الوسائل العسكرية ازاء اي نقض لحيادها.
تكون لأراضي الدولة المحايدة حصانة وحرمة، ويقصد بالاراضي ايضاً الاجواء والمياه الإقليمية ومن حقها اقفال اجوائها ومياهها الاقليمية امام المتحاربين.
كذلك فإنّ من حق الدولة المحايدة ان تحافظ الدول المتحاربة على علاقات اقتصادية وتجارية معها، بشرط ان لا تمسّ العلاقات التجارية والإقتصادية الحياد، ويمكن للدولة الحيادية تبادل البضائع مع الدول المتحاربة بشكل لا ينتهك حيادها.
هناك الكثير من الدول الحيادية في العالم أشهرها سويسرا، السويد، النمسا، فنلندا، كوستاريكا، ليختنشتاين، ايرلندا، وتركمانستان.
وهناك دول تدعي أنها حيادية مثل كمبوديا وملدوفا، فيما كانت بلجيكا، لاوس، لوكسمبورغ، وهولندا دولاً حيادية سابقاً حيادية قبل الحرب العالمية الثانية.
هل الحياد ممكن في لبنان؟
لا شكّ في أن مبدأ الحياد، هو أحد أعقد المفاهيم في القانون الدولي العام، ومن الصعب الدخول في كل مقتضياته تفرعاته القانونية والسياسية في مقال مختصر (..) ولكن السؤال المطروح: هل من الممكن أن يطبّق نظام الحياد في لبنان؟
بداية من الضروري توافر 3 شروط على الأقل، لإمكان تطبيقه في لبنان:
1- موافقة غالبية اللبنانيين عليه.
2-موافقة واعتراف الدول المجاورة له.
3-قدرة لبنان على حماية حياده بنفسه.
وهذه الشروط غير متوافرّة، لا سيما الشرط الثالث اذ أن التزامات لبنان العربية والدولية، ترتّب عليه التقيد بالمعاهدات والاتفاقيات، اذ أن هناك صعوبة كبيرة تكمن في الملاءمة بين نظام الحياد وهذه الالتزامات، ويزيد الوضع اللبناني الداخلي المعقد من الناحية السياسية والأمنية، صعوبات أكثر تعقيداً وتأثيراً في هذا الخيار، يضاف الى أن لبنان في حال عداء معلنة مع "اسرائيل" ما يُسقط هذه النظرية بالمعنى القانوني.
وبما أنه غالباً ما كان الخلاف على مسألة داخلية، يتطور في اتجاه الخلاف على تحديد موقف رسمي تجاه قضايا عربية أو إقليمية، كان لا بدّ للبنان أن "يجتهد" نموذجاً خاصاً وفريداً على مستوى القانون الدولي سمّي "النأي بالنفس".
فما هو النأي بالنفس؟
"النأي بالنفس" هو مصطلح جديد أدخله رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الى الحياة السياسية اللبنانية في العام 2011، ويقضي بأن لا مصلحة للبنان إلا أن ينأى بنفسه عن الكثير من المواضيع العربية، لا بل تقضي مصلحته بألا يكون على عداء مع أي طرف عربي أيّاً كان هذا الطرف ومهما كان موقعه من الأزمات في المنطقة (..) وإن خلاص لبنان يكمن بتحييده عن أزمات المنطقة باستثناء ما يتعلق منها بـ"إسرائيل".
وكانت هذه الصيغة حينها "مخرجاً" لإشتداد أزمة الاصطفاف الداخلي ربطاً بتطوّر أزمات المحيط، ومنعاً لانزلاق لبنان الى أتون الحرب، واستمرت طيلة السنوات التي مضت، متمكنّة من بلورة سياسة خارجية ثابتة للبنان، وديبلوماسية مرنة، مكّنت لبنان "نسبياً" من تجاوز عددٍ من الأفخاخ الإقليمية، اذا صحّ التعبير.
وانطلاقاً من مستجدات التحوّل في موازين القوى الذي رُسمت معالمه مؤخراً في المنطقة، يبدو أن لبنان يعود الى محاولات التأقلم والتكيّف، اذ تشير الاصابع الى مصطلح ثالث جديد غير الحياد والنأي بالنفس، سميَ "التحييد" الذي يعتبر صيغة هجينة، من صنع السياسة اللبنانية ومقتضياتها.
وفي هذا السياق، تتقاطع معلومات الأوساط السياسية على اختلاف مشاربها على ضرورة الاستمرار بابعاد لبنان عن تأثيرات الإقليم الملتهب، وتشير الى أنه "من الضروري العودة إلى مضمون البيان الوزاري والعبارة التي تتحدث عن بقاء لبنان بمنأى عن الصراعات الإقليمية"، في وقت تصرّ أوساط اخرى على استعمال مصطلح "تحييد" لبنان وليس حياده.
والكلام يجري هنا عن تحييد لبنان عن النزاعات العربية كوجهٍ آخر من سياسة النأي بالنفس، وليس حياد لبنان عن النزاع العربي الاسرائيلي، اذ أن "الحياد" مصطلح سياسي له أبعاد قانونية لن يكون بمقدور لبنان أن يتحملها، وبالتالي كل "الدروب" ستعود بنا الى سياسة النأي بالنفس حيث أن موجباتها وايجابياتها لا تزال سارية المفعول.