لم تكن الرسالة التي وجهها رئيس الحزب "الديمقراطي اللبناني" طلال إرسلان، اليوم الأحد، إلى النائب وليد جنبلاط، مجرَّد كلامٍ وحبر على ورق. ففي المضمون والتوقيت، ومع إقتراب موعد الإنتخابات النيابية، هي رسالة في أكثر من اتجاه، وتأكيدٌ على أنَّ المعركة أصبحت ظاهرةً وواضحة في البيت الدرزي الواحد. ومع ذلك، فإنَّ وجه هذه المعركة له عنوانٌ أساسي: "الجبل ليس لجنبلاط وحده، نحن موجودون ولدينا نفوذنا". فتح ارسلان النار على جنبلاط، وراح إلى حدٍّ أبعد من معركة إنتخابية وسياسية. يعتبر ارسلان أنَّ يوم السادس من أيار، هو إنعطافة مفصلية في تاريخ الدروز، الذين بقوا تحت إمرة زعامة سياسية أحادية على مدى عشرات السنين، وخصوصاً بعد الحرب الأهلية، ويرى أنَّ هذه الإنتخابات ستكون مدخلاً له في توسيع مدى زعامته لدى الدروز، وأنّ زمن "الأحادية الجنبلاطية" قد ولَّى".
حكماً، فإنَّ النائب وليد جنبلاط يستشعرُ الخطر على زعامته، أقله درزياً. ومع ذلك، راح يشدُّ العصب باتجاه التأكيد على أنَّ المعركة الإنتخابية القادمة تهدف إلى حدٍّ بعيد لضربه وإلغائه. في هذا الخطاب، كان التصويب على ارسلان مباشراً، كونه يستطيع من خلال الإنتخابات أن يصل بكتلةٍ تخرق وجود جنبلاط السياسي من جهة، وتشكل خطراً على قراره في الجبل والشوف من جهةٍ أخرى.
وبذلك، فإنّ الصراع داخل البيت الدرزي الواحد باتَ شبه طاغٍ، والمعركة الإنتخابية هذه المرة بين الدروز، الذين وجدوا في القانون الإنتخابي الجديد فسحةً للخروج من العباءة الجنبلاطية، وخوض تجربة سياسيةٍ جديدة مع ارسلان، وهذا ما يعتبره الأخير من أبسط الحقوق له، كزعيم له حيثيته. يقول ارسلان في رسالته لجنبلاط: "إمتعاضك الحقيقي هو بأنك غير قادرٍ على استيعاب أنه سيكون هناك كتلة نيابية في الجبل برئاستي، ستشاركك على أرض الجبل. نعم يا بيك، هذه هي الحقيقة التي تؤلمك لأنك لا تؤمن بمبدأ الحوار والشراكة". ويتابع: "أنت مقتنع بأنّ قوتك تأتي بالتزعم على مجتمع ضعيف يحتاجك في كلّ شيء بصحته وتربيته ووظيفته ولقمة عيشه بالترغيب أو الترهيب، تعطيه الشكل لتأخذ منه المضمون، والمضمون يا بيك أهم من الشكل بكثير لأنّ المضمون يتعلّق بعزة نفسهم وكرامتهم وعنفوانهم وهيبتهم ومستقبل أولادهم وطموحاتهم وشرفهم".
وعلى مدى كل الإستحقاقات النيابية السابقة، كان جنبلاط يترُك المقعد الدرزي في قضاء عاليه شاغراً، ويعتبر أنه من حصة ارسلان. إلاَّ أنه ومع الإستحقاق الإنتخابي القادم، ومع القانون الجديد، فإن المنطق "الجنبلاطي" مع إرسلان وتحديداً مسألة ترك المقعد الدرزي له، لم يعد نافعاً. يرى إرسلان من منطلقه الخاص أنَّ قانون الإنتخاب الجديد يجعله أكبر من أن يمنَّ عليه جنبلاط بمقعد، وهو قادرٌ على اكتساح مقعده الدرزي ومقاعد أخرى بمعركةٍ إنتخابية قوية. وبذلك، فإنَّ دائرة الشوف وعاليه، بالنسبة لإرسلان هي المدخل لتكريس وجه سياسي جديد، لا يلغي من قبله. وعليه، فإن ارسلان، كان مصراً منذ بداية الحراك الإنتخابي، على خوض معركةٍ مع جنبلاط، للتأكيد على الوجود والنفوذ، وهو لم يفتح باباً للتحالف معه، بل ذهب وتحالف مع التيار "الوطني الحر"، الذي يريدُ أن يؤكد أيضاً أنَّ كل حزب يصنع نفسه بنفسه إنتخابياً وسياسياً، وأن المعادلة التي تقول بأن جنبلاط هو الذي يصنع نواباً قد ولَّت إلى غير رجعة. وفي الجوهر، فإنَّ هذا المبدأ هو الجزء الأساس الذي جمع ارسلان بـ"الوطني الحر"، ومع القانون الجديد يمكنُ أن يكون هناك ولادة سياسية جديدة في الجبل، عنوانها قوى سياسية ستفرض نفسها رغم قوة ونفوذ جنبلاط.