تبدأ اعتباراً من الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم استشارات غير ملزمة مع الكتل والنواب، يترأسها الرئيس المكلف سعد الحريري، حيث سيستمزج رأيهم في الحكومة العتيدة، والتي من المتوقع أن تكون "حكومة وحدة وطنية" تضم جميع الأطراف، خصوصاً وأنه من المتوقع أن تستمر لأربع سنوات، حتى نهاية العهد.
وتأتي استشارات تأليف الحكومة على وقع اختلاط التعقيدات الداخلية اللبنانية بالتطوّرات الخارجية. ففي وقتٍ يتخوّف البعض من تأثير ما يَجري حالياً في الخارج، وتحديداً في الإقليم على التأليف، يرى البعض الآخر وجوبَ عدمِ الاستهانة بحجم التعقيدات الداخلية في ظلّ النزاع القائم حول الأحجام السياسية والطوائفية، هذا فضلاً عن الخطر الذي يتهدّد أوضاع لبنان الاقتصادية والمالية قبل مواجهة الخطورة السائدة راهناً على الأوضاع الإقليمية.
ومن هنا أشارت صحيفة "الحياة" الى ان طباخي الحكومة يسعوون الى أمرين: الأول ألا تستفزّ الحكومة دول الغرب والولايات المتحدة ودول الخليج العربي التي تأخذ المزيد من الإجراءات ضد إيران و "حزب الله"، والثاني أن تضم الحكومة وجوهاً قادرة على التعاطي مع النظام السوري لأن رئيس الجمهورية يردّد أمام من يلتقيه من سياسيين لبنانيين وموفدين أجانب، بأن لا بد من التواصل مع الحكومة السورية من أجل إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، في وقت يخوض باسيل معركة ديبلوماسية مع الأمم المتحدة حول "العودة الآمنة". وهو موضوع خلافيّ بين المسؤولين اللبنانيين إذ إن الحريري ليس بوارد القبول بتواصل حكومي مع النظام السوري. وترى الأوساط المراقبة أن التوازن في الحكومة دقيق جداً لجهة الأبعاد الإقليمية لسياساتها المقبلة، في وقت يحتاج لبنان إلى المساعدات التي وُعد بها في مؤتمر "سيدر" للاستثمار في بناه التحتية، والتي استندت إلى الثقة الدولية بالحريري والمراهنة على خطه المعتدل.
الحريري وشهوات الاستيزار
وعلى الرغم من اقرار جميع القوى ضرورة العمل على تسريع تأليف الحكومة، وعدم عرقلة عملية التأليف الاّ أن الرئيس الحريري سيجد نفسه اليوم غارقاً في مجموعة من المطالب والمطالب المضادة، الاّ أن المعلومات تحدثت الى صحيفة "الجمهورية" عن أن شكل الحكومة الجديدة ستكون إلى حدٍّ كبير كالحكومة الحاليّة التي تصرّف الأعمال، علماً أنّ الحريري لا نيّة لديه لعزلِ أو تحجيمِ أحد، بل سيَسعى إلى تأليف أفضل حكومة ممكنة، آخذاً في الاعتبار التوازنات القائمة بالمقدار المستطاع، وهو على هذا الأساس، سيتعامل مع تمثيل «القوات اللبنانية» انطلاقاً من حجمها التمثيلي الذي توسَّع في الانتخابات النيابية، وسيَسعى إلى إعطائها حصةً وازنة.
وأكدت مصادر وزارية لـ"النهار" ان مطالب الأفرقاء السياسيين باتت معروفة قبل الاستشارات، لكن ذلك لا يعني انه سيؤخذ بها وان عملية التأليف سلكت طريقها، لأنه بعيداً من دخول عوامل اقليمية على خط التشكيل، تتسم مطالب الداخل بالتعقيد لدى الجميع باستثناء الحقائب الوزارية لدى الشيعة. فالصراع مستمر بقوة لدى المسيحيين، وهو اقل بقليل لدى السنة والدروز، علماً أن معادلة وزير لكل أربعة نوّاب المطروحة لا تلحظ حصّة رئيس الجمهوريّة من الوزراء.
وفي حين يحرص الرئيس الحريري على التوازن وتمثيل الكتل كافة، وفقا للمعاير التي راعت تأليف الحكومة المستقيلة، تتحدث جهات على اطلاع على مقاربة مباينة إلى حدّ غير صدامي في بعبدا تنطلق من قواعد ثلاث:
1- تمثيل الكتل حسب الاحجام.
2- حصة وزانة للرئيس، بما في ذلك حقيبة سيادية.
3 - مهلة غير مفتوحة لإنجاز إصدار المراسيم بحكومة وحدة وطنية، إذا امكن، والا بحكومة غالبية، على ان تتجه القوى التي لم تمثل الى المعارضة، مع وضع "فيتو ما" على عودة بعض الوزراء في الحكومة المستقيلة.
لكن مصادر رسمية رفيعة المستوى متابعة عن كثب لاتصالات التشكيل، اكدت لـ"اللواء" ان لا نية لدى الفرقاء حسب الظاهر في تعقيد التشكيل، وان رغبة رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف هي في تشكيل حكومة وحدة وطنية لا تُقصي احداً إلاّ من رغب في إقصاء نفسه واعتماد المعارضة البرلمانية. وان الرئيس عون قد وضع بالتفاهم مع الرئيس الحريري عناوين عامة منطلقا للبحث في تشكيل الحكومة تعكس حقيقة الاحجام.
الايجابية تقابلها عقبات
وعلى الرغم من كل الايجابيات والتسهيلات التي تعطى للحكومة الاّ ان الواقع على الأرض يشير الى وجود الكثير من العقد التي على الرئيس المكلف العمل على فكفتها وتذليلها لتعبيد الطريق أمام حكومته المقبلة. ولعلّ التشنج عبر مواقع التواصل الاجتماعي في اليومين الماضيين بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية خير دليل على ما قد يواجه الرئيس الحريري في الأيام والأسابيع المقبلة.
وبحسب مصادر صحيفة "اللواء"، فإن الظاهر من العقد أو العقبات التي تواجه التأليف، يكمن في عقدتين: الاولى: تتعلق بالخلاف بين «التيار الوطني الحر» وحزب "القوات اللبنانية" على الحصة المسيحية من التوزير والحقائب، بالإضافة إلى إشكالية حصة رئيس الجمهورية، التي يعتبرها البعض تكريساً لعرف غير دستوري، لا ينسجم مع ان لرئيس الجمهورية كتلة دعم وتيار سياسي.
وأكدت مصادر "القوات اللبنانية" لصحيفة "اللواء" رغبتها في تسهيل وتسريع تشكيل الحكومة اسوة ببقية القوى السياسية، لكنها في الوقت عينه ترفض فرض وقائع عليها لا تناسب مصلحتها وحجمها التمثيلي المتنامي، وتتمسك بتمثيلها حسب الاحجام والتوازنات القائمة في الساحة المسيحية وفقا لما افرزته الانتخابات، وبالتالي هي سترفض منطق "التيار الحر" بالاستحواذ على معظم الحصة المسيحية ومنح البقية للقوى الاخرى.. مشيرة إلى انها لم تعد متمسكة بمنصب نائب رئيس الحكومة بمقدار تمسكها بالحصول على حقيبة سيادية و3 حقائب أخرى أساسية استناداً إلى مضاعفة كتلتها النيابية.
وأَوضحت مصادر "القوات" انها ستبقى على تواصل مع المعني بالتشكيلة وهو الرئيس المكلف وليس مع «التيار الحر» فقط، باعتبار ان القرار النهائي عنده ويتوافق عليه مع رئيس الجمهورية.
مصدر سياسي بارز لفت في حديث لصحيفة "الحياة" الى إن من مصلحة الحريري إحداث توازن دقيق في التمثيل على الصعيد المسيحي. فالجهد الذي يبذله الوزير باسيل من أجل تحجيم "القوات اللبنانية" في الحكومة هو مطلب لـ "حزب الله" ويمكن القول إن "التيار" يسلّف الحزب في هذا التوجه، لأن الأخير لم يغادر توجسه من التحالف بين "التيار" وبين "القوات" منذ انتخاب العماد عون رئيساً، وليس منزعجاً من حصول التباعد بين الثنائي المسيحي خلال السنة الماضية. بل إن المصدر إياه يعتبر أن الحزب نجح في استثمار مساحة البعد بين القطبين المسيحيين بعد انتخاب عون رئيساً.
أما العقدة الثانية فتتمثل بالتمثيل الدرزي في الحكومة، إذ يطالب الحزب التقدمي الاشتراكي بحصر اختيار الوزراء الدروز الثلاثة في حكومة ثلاثينية بمن يسميهم رئيس الحزب وليد جنبلاط من دون تمثيل النائب طلال أرسلان. إلا ان الأمر بالنسبة لهذه النقطة قابل للتفاوض، بحيث يحصل "اللقاء الديمقراطي" على حقيبتين للدروز وحقيبة ثالثة لشخصية سنية، والاغلب ستكون مسيحية إذا وافق جنبلاط على ذلك، "انطلاقا" من مبدأ ومنطق يعتمده الآخرون، وهو ان التمثيل الأكبر يكون للطرف الأقوى في طائفته التزاماً بالميثاقية الوطنية، والسياسية والطائفية التي يطرحونها هذه الأيام بحسب تعبير المصادر.
وفي شأن عقدة التمثيل الدرزي يعتقد المصدر السياسي البارز بأن الحريري الحريص على أجواء التوافق بين الرئاسات الثلاث، لن يقفز فوق حرصه على العلاقة مع جنبلاط، ولن يتجاهل تضامن الرئيس بري مع موقف رئيس "الاشتراكي"، في حال تسلّح الوزير باسيل باتفاقه مع الوزير طلال أرسلان للعمل على توزير الأخير. فالمصادر المطلعة على نتائج اجتماع بري وجنبلاط مطلع الأسبوع الماضي ترجح اتفاقهما على مسائل كثيرة منها التمثيل الدرزي.
وكشفت مصادر مقربة من "التقدمي الاشتراكي"، بأن "التمثيل الدرزي سيكون جنبلاطياً صافياً"، مشيرة إلى أنه "إذا كانت الحكومة من ثلاثين وزيراً عندئذ سيكون هناك ثلاثة دروز لجنبلاط، وإذا كانت على مستوى مقعدين درزيين فمن الطبيعي أيضاً أن يكونوا من كتلة النائب تيمور جنبلاط"، مشيرة إلى أن جنبلاط "سيطالب بتوزير مسيحي من كتلته هو النائب نعمة طعمة، الذي سجل نجاحاً وإنجازات في وزارة المهجرين، أو من طوائف أخرى، كالنائب بلال العبد الله".
وتحدثت مصادر لـ"الشرق الأوسط"، عن أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ولدى زيارته رئيس الحكومة سعد الحريري، "تمنى عليه أن يكون التمثيل الدرزي وفق نتائج الانتخابات النيابية"، وهو أمر سبق وأبلغه النائب وائل أبو فاعور للحريري من خلال الاتصالات التي يتولاّها مع رئيس الحكومة وفريقه السياسي. كما جرى بحث الملف مع رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي.
ورأت المصادر أن تشكيل كتلة نيابية من نواب من التيار الوطني الحر يترأسها أرسلان، بغية توزيره، "بدعة وتذاكي وضحك على ذقون الناس لن يمرّ من خلال هذه الألاعيب والخفة التي يتعاطون بها".
وانطلاقاً من كل التجاذبات، والأخّ والردّ الذي سيشهده تأليف الحكومة، لاحظ قطب سياسي لصحيفة "الحياة" أن دور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في معالجة هذه العقد سيكون أساسياً خصوصاً أن الرئيس الحريري سبق أن أكد أن تفاهمه معه أدى إلى معالجة الكثير من القضايا الشائكة وأنه لن يبقى أسير التعطيل بل سيستفيد من التوافق بينه وبين رئيس الجمهورية لتسريع التأليف. فلا مصلحة لعون أن يحصل التأخير لأنه يهمه إطلاق عجلة المشاريع الموعودة في البلد عبر الاستثمارات ومكافحة الفساد والهدر، على أن يأخذ وقته في السعي إلى اتفاق على إستراتيجية دفاعية ومعالجة أزمة النازحين اللتين تتعلقان بالوضع الإقليمي المعقّد، مع استمرار كل الجهود لإبقاء المواجهة الأميركية - الإيرانية خارج البلد، وهذا ممكن.
إلا أن القطب نفسه يلفت إلى أن تمرير الحكومة على قاعدة الفهم الذي قدمه الوزير جبران باسيل لـ "الميثاقية" بتقاسم الأقوى في كل مكون طائفي الحصص، يحمل معه أخطار تكريس المثالثة بين المسيحيين والشيعة والسنة بطريقة مبطنة. وسيكون على الرئيس الحريري أن يتجنب ذلك. ومع استناده إلى تعاونه مع الرئيس عون، فإن قوى مسيحية أخرى لها وزنها قد تكون عوناً له على الحؤول دون تكريس هذا التوجه، ومنها "القوات اللبنانية" و "المردة" برئاسة سليمان فرنجية على الصعيد المسيحي، فضلاً عن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ونواب مستقلين.
بعبدا مرتاحة
وعشيّة استشارات التأليف، أبدت مصادر القصر الجمهوري ارتياحها إلى "عبور البلاد المحطات والمراحل التي تحدَّث عنها الدستور لإعادة تكوين السلطة وتأليف الحكومة التي بها يكتمل عقدُ المؤسسات الدستورية في البلاد الواقفة الآن على قاب قوسين أو أدنى من ولادة "حكومة العهد الأولى" التي راهنَ عليها بعد الانتخابات وما انتهت إليه من ولادة قوى وتكتّلات نيابية تنبئ بمسارٍ جديد ستسلكه الأوضاع في المرحلة المقبلة".
الا أن صحيفة "النهار" نقلت عن ديبلوماسي عربي قوله ان مدة التأليف قد تطول ما بين ثلاثة وستة أشهر، معرباً عن تخوّفه من ان تدخل عوامل اقليمية على الخط، فتصيب التفاؤل في الصميم، وتتأخر العملية لتنعكس سلباً لا على رئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري فحسب، وانما على العهد برمته
وفي هذا السياق، وضع قطب سياسي لـ "الحياة" تكرار غير فريق وآخرهم الأميـــن العام لـ "حزب الله" السيد حســــن نصرالله، بأن العقوبات الأميركية الخليجية على قيادات فيه لن تؤثر في تأليف الحكومة، في إطار قناعة عامة بأن الإجراءات المتخذة لها سياق أكبر من لبنان ويتعلق بالصراع الدولي والإقليمي مع إيران وتدخلها في الحروب في الإقليم، وبصواريخها الباليستية.
ويعتبر القطب نفسه أن حتى الدول التي أعلنت العقوبات حريصة على حفظ استقرار البلد، وفي المقابل فإن لا مصلحة لـ "حزب الله" بأن يعرقل تأليف الحكومة في ظل المستجدات الإقليمية المتسارعة لأن استقرار دوره في البلد ضروري له عبر قيام الحكومة.