تحت عنوان "ميزان برّي... ومزرعة فيلتمان" كتب نبيل هيثم في صحيفة "الجمهورية": "قيل الكثير عن انتخاب الرئيس نبيه برّي لولاية سادسة على رأس السلطة التشريعية. وأجمع الأصدقاء والحلفاء والمحبّون، وكذلك الخصوم والمكابرون، على أنّ الرجلَ عاد الى الموقع الطبيعي الذي يجب أن يكون فيه.
هذا الإجماع على بري، وجد ترجمته الدقيقة والصادقة في اثنتي عشرة كلمة قالها رئيس السن النائب ميشال المر، ولخّص فيها مسيرة الرجل وموقعه في الحياة البرلمانية والسياسية: "الرئيس بري منذ العام 1992، حامل للميزان، ولا يترك الأخطار تجتاح لبنان".
وتابع: "هذا الميزان، تعرّض لمحاولة كسر ذات يوم، كان يُراد إزاحة نبيه بري عن رئاسة المجلس بأيّ ثمن، ولكنها فشلت وأطيح بالانقلاب الذي كان يحضَّر للبلد وإلقائه في مجهول خطير.
خيوط محاولة الكسر نسجتها انتخاباتُ 2005، التي جرت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. يومها أفرزت الانتخابات أكثرية ما كان يُسمى "فريق 14 آذار". ويومها أصابت النشوة بعض الرؤوس، فجاهر أصحابها أنّ الفرصة مؤاتية لإزاحة نبيه بري. وتبيّن أنّ هذه الفكرة منسّقة بالكامل بالقائدين الحقيقيين لهذا الفريق آنذاك: السفير الأميركي جيفري فيلتمان والسفير الفرنسي برنار ايمييه، اللذان وضعا "فيتو" على إعادة انتخاب بري، وكانا يحضّران في الخفاء مرشّحاً بديلاً، وقد قدّم هذا المرشح نفسه وعرض خدماته لبعض المرجعيات، فسمع ما مفاده "وحدة الطائفة خط أحمر ونقطة على السطر". فانكفأ المرشح وتوارى.
ومع ذلك، استمرّت المحاولة، ولم يوفّر فيلتمان وايمييه فرصة خلال الايام السابقة لموعد انتخاب رئيس المجلس الجديد، إلّا واستغلّاها في سبيل إقصاء بري، وبناء جدار نيابي يمنع وصوله الى الرئاسة البرلمانية. ولهذه الغاية، كثيرون من شخصيات ونواب "الفريق المنتصر في الانتخابات" تمّ استدعاؤهم تارةً الى واشنطن وتارةً أخرى الى باريس. وكلما اقترب موعد الانتخاب زاد تعصيب السفيرين وحلفائهما. وأما بري الخارج آنذاك من انتخابات نيابية في الجنوب شكلت استفتاءً كاسحاً على أنه المرشح الأوحد، فكان يخوض معركته بهدوء ويراقب ما يجري بأعصاب باردة، واكتفى بردّ مقتضب على حركة الاستدعاءات" بالامس كنا نحتاج الى سيارة واليوم صار بدنا طيارة".
وحتى ما قبل ايام قليلة من موعد الانتخاب، صعّد السفيران اكثر، فجاهر ايمييه امام بعض السياسيين بأنه تلقّى تعليمات واضحة من الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك وحرفيّتها: "لا تدعوا النوابَ اللبنانيين ينتخبون نبيه بري". وأما فيلتمان فقد جمع شخصيات وسياسيين ونواباً وإعلاميين. وبدا في هذا اللقاء "معصّباً"، وخاطب الحاضرين بانفعال: "يجب أن يتغيّر نبيه بري، فما معنى التغيير الذي حصل في الانتخابات في حال بقي نبيه بري في موقعه"؟
بعض الحاضرين برّروا: "لا إمكانية لتجاوز بري، الجسم الشيعي موحَّد خلفه"، فاستفزّوا فيلتمان الذي ذهب الى التهديد: "إننا نعتبر إعادة انتخاب نبيه بري اشارة سلبية قد تدفعنا الى إعادة النظر بالمساعدات، وكل ما يتصل بإنعاش الوضع الاقتصادي في لبنان".
يومها علم بري بأمر تعليمات شيراك الى إيمييه وبما قاله فيلتمان في اللقاء الأخير، فرد على طريقته: "ربما فات هؤلاء أنني لستُ مرشّحاً للكونغرس الأميركي ولا للجمعية الوطنية الفرنسية". ثم أردف قائلاً: "أيّ فخر أكبر من ان تواجهك اميركا وفرنسا. فخر لي أن أترشّح مقابل هذا الرفض، فإن فزت، فسيكون فوزاً عظيماً، وإن خسرت فهي خسارة عظيمة وأكثر من مشرّفة. فأن تخسرَ امام اميركا وفرنسا معاً أمر مهم جداً، وأيّ شخص يتمنّاه، فكيف إذا ربحت وانتصرت؟".
اللقاءاتُ التي جرت بعد ذلك بين بري وإيمييه كانت جدّية ولم تكن حادّة، واستمرت حتى ما بعد انتقاله من لبنان، وقبل فترة عاد وزاره في عين التينة بعدما تمّ تعيينُه مديراً للمخابرات في فرنسا. وأما اللقاءات مع فيلتمان فكانت اشبه بـ"دقي واعصري"، وتسودها لغة الإبر والمخارز والدبابيس والمسامير والمسلّات، هما يعترفان بأنّ حديثهما كان شاقاً لكنه ممتع، بري بدهائه وخبرته وحنكته وفيلتمان بذكائه وسرعة بديهته. وحتى بعدما غادر، بقيت شعرة التواصل قائمة، وخصوصاً في المناسبات وعبر رسائل نصّية (sms) وتبرز واحدة أرسلها فيلتمان الى بري مهنّئاً بعيد الفطر. فردّ بري برسالة مماثلة على طريقته: "كان اللافت أنّ رسالة رئيس دولتك باراك اوباما لمعايدته لي، فيها شيء من الودّ أكثر من رسالتك". فردّ فيلتمان سريعاً: "معك حق يا دولة الرئيس، أنّ رسالة الرئيس اوباما الموجّهة اليك تحمل طيفاً من الودّ والمشاعر أكثر من رسالتي، لأنه لم يتلوّع مثلي، ولم يعش الصعوبات والعذابات التي تلقيتها منك".
لقراءة المقال كاملاً إضغط هنا.