انتهى الشهر الفضيل، والعين على ما بعد العيد لالتماس هلال حكومة منتظرة ترضي الأطراف لناحية الحصص والحقائب الدسمة، ولبنان مشغول بين حدّين: مرسوم التجنيس الذي تتكشف كل يوم ثغرة من ثغراته الفاضحة، والحرب الدنكيشوتية على النازحين السوريين والمؤسسات الدولية الراعية لهم وسط غياب تام لمنطق السياسات العليا والتضامن الحكومي حيال هذا الملف. هكذا هو حال البلد، لا جديد استثنائياً ينقل البلاد إلى مرحلة جديدة، ولا تصورات واضحة وجدية لمواجهة شبح الإفلاس الذي يتهدد الاقتصاد، ويقال إن هذا التهديد جدّي وليس مرتبطاً بالضغوطات التي تترافق مع تشكيل الحكومات عادة.
وسط هذه الصورة ينشغل العالم بدءا من اليوم بالساحرة الكروية في موسكو حيث انتقل عدد لا بأس به من المسؤولين لحضور افتتاح مباريات كأس العالم 2018، بعيداً على مشكلات هذا البلد التي توجع رؤوسهم المنشغلة أصلاً بقضايا أكبر وأهم وأخطر.
لماذا هذه السخرية السوداء كلّها؟
إذا سلمنا، وسلم معنا العرب والعالم بصعوبة الأوضاع، فلا بدّ من التفكير باستنقاذ ما يمكن انقاذه من الدولة والمجتمع، ولا بد من الاستثمار بالمستقبل؛ مستقبل السلم الأهلي، والأمن والاستقرار، وانتظام المؤسسات والحكم الرشيد، والعلاقة الحسنة بين النظام والشعب، وبين النظام وأشقائه وأصدقائه. لا يمكن القبول باستنزاف البلد حتى نقطة الفشل والإفلاس.
قبل يومين تداعت السعودية والكويت والإمارات إلى اجتماع في مكة المكرمة، من أجل مساعدة الأردن على أزمة كادت توصله إلى المجهول، وخلص إلى حزمة عاجلة ووازنة من التقديمات والالتزامات من شأنها أن تنعش اقتصاده وتطمئن مجتمعه وتعزّز استقراره، وهو تحرك إلى كونه عكس حرص الداعي والمدعوين على الأردن وشعبه، أتى في لحظة حساسة جداً ما كان ينفع معها أي تأخير، وأضاف مدماكاً جديداً إلى مساعي تدعيم الأمن الإقليمي العربي، بالفعل لا الكلام.
وليس أدل على خطورة الوضع في الأردن من الخطوات التي رافقت التحركات الشعبية المعترضة على السياسات الاقتصادية والضرائبية، فالملك عبد الله الثاني قبل استقالة الحكومة، وكلّف رجلاً معروفاً بجديته لتشكيل أخرى والتفكير في الإجراءات البديلة، والتشاور مع سائر الفئات الاجتماعية والسياسية من أجل ذلك. والملفت في كل ذلك أن الأردن وهو يعاني من ضائقة اقتصادية واجتماعية، ويستضيف أكثر من مليون نازح سوري ما قال إن سبب أزمته النازحون السوريون، ولا هدد بإرجاعهم رغماً عنهم، ولا توعد مفوضية شؤون اللاجئين! من ساعد الأردن سبق أن ساعد لبنان، ويمكن أن يساعد ثانية وثالثة ورابعة على تجاوز الأزمات والمضي نحو التطوير والتنمية وإطفاء الديون، ليس العرب فحسب بل الأوروبيون وكل المجتمع الدولي، لكن الأمر – بحسب هؤلاء جميعاً - مرهون بالإصلاح ومحاربة الفساد، بشفافية وجدية واستمرار، وانتهاج العقلانية والابتعاد عن المكابرة والشعبوية في مقاربة الأمور الداخلية والخارجية.
قدم لبنان لمؤتمر "سيدر" ورقة تتضمن رؤى والتزامات بدا أنها صيغت على عجل في ذروة التحضير للانتخابات النيابية وفي الأيام الأخيرة للحكومة، وهو طلب مساعدات في التنمية والبنى التحتية ومعالجة تفاقم الدين العام، لكن أداء السلطة يشي بعكس كل ما قالت الحكومة أنها ملتزمة به. فالدولة تُحكم بأسلوب التحدي، والفساد المقونن، والهدر المنفلت، ويجري تشكيل الحكومة وفق منطق محاصصة مفضوح وليس وفق منطق مواجهة التحديات، وكل ذلك لا يبعث على الثقة، ووسط كل ذلك يأتي مرسوم التجنيس والحملة على النازحين لتضيف إلى النار زيتاً.
نحن أمام مشكلة مكونة من طبقات، وواحدة من طبقاتها سوء إدارة العلاقة بالعرب، وأخرى أن ثمة منطقاً غرائزياً طائفياً يتصدر المشهد، وهذا المنطق البغيض لا يناقض الدستور واتفاق الطائف والعيش الواحد فحسب، بل يخدم محاور إقليمية بشكل يجعل من لبنان منصة لمواجهات لا يحتملها. ما المعنى من تصريح مسؤول عسكري إيراني كبير عن فوز 74 نائباً من حزب الله في البرلمان؟ ولماذا يكون على الخليجيين، والعرب عموماً، مساعدة لبنان على ما يواجهه من صعوبات وهذا المنطق السياسي قائم ومتحكّم؟
إن ما يحصل يتجاوز كونه مصالح براغماتية انتهازية ضيقة إلى كونه سياسة استراتيجية تعكس خطابا ومشروعاً ورؤية، وكل ذلك يناقض ما قام عليه لبنان وما تقوم عليه مصالحه، وخصوصاً في لحظة تتكاثر عليه الضغوطات والتحديات والاستحقاقات. والله المستعان.