الكتابة العفوية الصادقة تتيح للمرء متعة نفسية لا أشهى ولا أروع.. والكتابة المفتعلة الممزوجة والمدفوعة بالشعور بالواجب ثقيلة على النفس، بغيضة على القلب والعقل معاً.. فالأمر متروك من قبل ومن بعد، إلى تلك "العفوية" التي وحدها توجه النفس المعطاءة، وتحرك القلم، وتنشط الذهن.. اللهم لا تحرم علينا نعمة "العفوية"..
إلى أين يسير هذا العالم!!
قبل مئات من السنين كتب ابن خلدون فصلاً سمّاه وعرّف به عن الدول وأعمارها، فقال: "إن الدول لها أعمار طبيعية كما للأفراد".. وإن الدول لا يمكن أن تعيش أكثر من ثلاثة أجيال، وأن استسلام الجيل الثالث إلى الرفاهية والدعة والترف يعجل في نهايته.. والتاريخ يحدثنا كيف اندثرت مدنيات، وانهارت أمم بعد أن بلغت من رفاهة العيش، وترف الحياة شأناً كبيراً، فأين المدنية اليونانية؟ وأين المدنية الرومانية؟ وأين المدنية الفارسية؟ والهندية والإسلامية.. إلخ.. وأين الدولة العثمانية؟ وأين إمبراطورية بريطانيا العظمى؟ لم تكن تغيب عنها يوماً، وعن مستعمراتها الشمس؟ وأين مجد فرنسا وأثره في العالم؟
كل ذلك سقط وهوى، واندثر، واضمحل.. فالأخلاق في تدهور، وعندما تتدهور الأخلاق في الأمم، تسقط في الهاوية.. وكما قال شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
البطالة في العالم أخذت تنتشر، والتضخم المالي أخذ في الارتفاع.. وأصحاب الدخل المحدود.. يشعرون بالخوف والقلق فإلى أين سائرون؟؟
... الله وحده يعلم؟؟
هل يكتب التاريخ بنزاهة؟
هذا التاريخ هو ضحية.. وسيظل ضحية من يكتبه، أو يسطره.. فليس هناك في التاريخ.. تاريخ نزيه، أو تاريخ دقيق أو صادق مائة بالمائة.. ونلاحظ أن كثيراً من الأساطير تتسلل بين ثنايا التاريخ، من الذي يكتب هذا التاريخ؟! أليس هو الإنسان؟؟ أليس هذا الإنسان من البشر؟! أو ليس الإنسان خاضعاً لعاطفته، ومتأثراً بمشاعره، ومعجوناً بميوله ورغباته ونزواته، ونزعاته..، ومن المعلوم أن تاريخ كثير من العظماء كتب بيد خصومهم فتاريخ الملكية في فرنسا كتبته الثورة الفرنسية.. وتاريخ القيصرية الروسية كتبته ثورة أكتوبر.. وغداً ستكتب ثورة الخميني تاريخ الشاه.. وتاريخ عبد الناصر سيكتبه فريقان، الأول بيد الناصريين، والثاني بيد خصومهم.
يحدثنا تاريخ فرنسا، بأن الجنرال "غروشى" صنف في خانة الخونة لأنه تقاعس عن نجدة نابليون في معركة "واترلو".
ولكن بعد مدة أعاد المؤرخون اعتبار الجنرال "غروشى" فرفعوا عنه صفة الخيانة بقولهم إنهم بعد أن ذهبوا إلى ساحة معركة "واترلو" تأكدوا أن جيوب الهواء حالت بين غروشى وسماع مدفع الإمبراطور..
مع الكلمات المضيئة!!
الروية والأناة، تعني التفكير قبل الشروع في التنفيذ.. والتحسب للنتائج. ورؤية العواقب. لعل الإنسان يتجنب مواقع الزلل، فلا يقع في الخطأ.. فإن التسرع والاندفاع كثيراً ما كانا سبباً في الإضرار بالإنسان، وفساد أعماله وبالتالي عدم الوصول إلى غرضه.. ولا يعني ذلك أن يتقاعس الإنسان في التفكير، ويبالغ في الحساب، ويغالي في الحذر، فإن فعل ذلك فقد تفوته الفرصة.. وكما قال "هنري كيسنجر" وزير خارجية أميركا السابق.. حتى يكون إنسان هذا العصر ناجحاً عليه أن يستوعب الأمور بالسرعة، وأن يتسرع في الأناة ".. قال أحد الحكماء".
في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.
وقال الثعالبـي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته
وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقد تفوت على قوم حوائجهم
هو التراخي مكان الرأي لو عجلوا