تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

الشخصية.. والمنصب

Lebanon 24
20-08-2018 | 03:16
A-
A+
الشخصية.. والمنصب
الشخصية.. والمنصب photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "الشخصية.. والمنصب".

شخصية الإنسان هي وليدة ظروف وراثية، وبيئية ومجتمعية وأخيراً وليس آخراً "ذاتية".

والإنسان بتكوينه مخلوق عجيب، تتنازعه الأهواء وتجتاحه الغرائز، وتعبث فيه الميول والنوازع، وتشعله العواطف، وتشغله الهموم والطموحات.. فهو عالم قائم بذاته، غني في ذاته، متفاعل مع ذاته.. وقد أحسن أحد الشعراء عندما وصفه بقوله:

وتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

عندما يخلق الإنسان، تخلق معه "ذاتيته" بل خصوصيته (الشخصية) وهذه الذاتية هي التي تميّزه عن غيره، بل تميّزه عن إخوانه الذين يعيشون معه تحت سقف واحد، ويتلقون تربية واحدة، وتوجبها من مصدر مشترك ومع ذلك، ورغم ذلك فإننا نلاحظ التمايز واضحاً في الطباع والسلوك بين أبناء العائلة الواحدة والأبوين المشتركين، وهذا التمايز إنما يعود إلى تكوين ذاتية الشخص، وهذه الذاتية من شأنها أن تلعب دوراً أساسياً في تحديد مسار الإنسان وتوجيه مقدراته وتحقيق نجاحاته أو فشله.

كان لا بد من هذه المقدمة حتى انتقل إلى موضوع المنصب، أو ما يسمّى باللغة المتداولة "الكرسي" لما له من علاقة عضوية بشخصية الإنسان.

بعض الأشخاص عندما يشغلون منصباً يحسون أنهم يكبرون بهذا المنصب، ويتشرفون به، وينصهرون فيه، فيتفانون في الذود عنه، والمحافظة عليه، والتشبث به، ليكون درعاً، وحصناً يحتمون وراءه. حتى إذا فقدوا هذا المنصب، أحسوا بأن الأرض قد اهتزت من تحتهم، وأن السقف قد طار، فأصبحوا في العراء.. أصابهم الارتباك، واعتراهم الضعف، وداهمتهم القشعريرة.. هذا النوع من الأشخاص وصفهم الأديب اللبناني سعيد تقي الدين بقوله: بعض الأشخاص يجلسون على الكراسي، وبعضهم تجلس الكراسي عليهم، نعم هذا الطراز من الأشخاص تجلس على قلوبهم الكراسي!

أعرف وزراء ومسؤولين كانت الأضواء تلاحقهم، وعدسات المصورين تطاردهم أينما حلوا، وحيثما تحركوا.. وكانت وسائل الإعلام تتحدث فيهم، وتنقل عنهم، فعندما تركوا مناصبهم، شعروا بالضياع، وأحسوا برهبة الفراغ، اختفوا من المجتمع، تقوقعوا، انحسروا، انطووا على أنفسهم، حاصرتهم الوحدة، عندما اختفت الأضواء عنهم، واتجهت نحو غيرهم.. لقد اعتادوا على دفء هذه الأضواء.. وتعودوا على معسول الكلام ينصب عليهم من أصحاب المنافع وجلساء المصالح.. قال لي وزير صديق: الآن عرفت ماذا كان يعني الشاعر عندما قال:

والناس من يلقَ خيراً قائلون له

ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

قلت لسيادة الوزير الذي ضاع ظله في شمس غياب المنصب.. تلك هي طبيعة البشر.. فالهروب من واقع هذه الطبيعة البشرية انهزامية، ومواجهته شجاعة وإيجابية، والمشاركة في متابعة الأحداث، والتحدث عنها، والإقبال عليها يملأ الفراغ.. والفراغ كما تعلم سيادة الوزير مفسدة للمرء.. ومجلبة للإحباط والاكتئاب.

فانظر ماذا عساك تفعل.. يا سيادة الوزير! فالمناصب لا تدوم طويلاً.. والشخص، وحده بذاتيته يمكنه أن يملأ حضوره حركة وتجديداً وأملاً نحو الأفضل.. وتلك هي سنة البشر ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

 

Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك