استفاقت طرابلس من الأحلام الوردية التي نسجتها الانتخابات النيابية الأخيرة، وبدأت صرخة المواطنين ترتفع يوماً بعد يوم، إذ اعتبر البعض أن كل الوعود بإنماء المدينة وإيجاد فرص عمل لشبابها لم تكن سوى سلّما للوصول.
ما لا شكّ فيه ان طرابلس التي استُهدفت من خلال 21 جولة قتال جعلتها تصطدم بسلسلة من الأزمات، تواجه اليوم واقعاً مأساوياً بسبب تقصير الدولة من الوقوف امام مسؤولياتها تجاه هذه المدينة، وإذ كانت بلدية طرابلس تمثل الواجهة الرسمية للفيحاء، فذلك يعكس صورة واضحة عن حجم المعاناة الذي يعترض طريقها نحو الازدهار والتطور.
في المناطق الشعبية، حيث يغرق الطرابلسيون بوحل الفقر المدقع، تبدو "باب التبانة" و"القبّة" من المناطق الأكثر تضرراً بفعل الحروب العبثية السابقة ويبدو أبناؤها اليوم الاكثر حاجة الى العمل لدرء العوز، لا سيّما بعد أن تمّ تفريغ طرابلس من المؤسسات والجامعات ضمن صمت سياسي مريب، فالجامعة اللبنانية التي انتقلت من منطقة القبة الى مبناها الجديد في منطقة ضهر العين، كانت مصدر دخلٍ لا بأس به لكثير من العائلات التي استفادت من تزاحم الطلاب سواء على المقاهي المقابلة للجامعة، أو المكتبات وبيوت الطلبة وحتى على سيارات الأجرة، والتي باتت اليوم بلا مصدر رزق يؤمن لها قوتها اليومي.
من هنا، عمد العاطلون عن العمل الى وضع "البسطات" غير القانونية على دوّار نهر "ابو علي" وجسر سوق الخضار، والتي ارتفع عددها الى الحدّ الذي أدّى الى التسبّب بزحمة سير خانقة في منطقة تعتبر شرياناً أساسياً وسط المدينة إذ هو نقطة عبور تصل طرابلس بضواحيها، الأمر الذي استدعى تدخّلاً طارئاً من بلدية طرابلس، لوضع حدّ لهذا التوسّع الذي قد يقطع الطريق على المتوّجهين الى اعمالهم والعائدين منها منذ الصباح حتى آخر المساء!
وفي حديثٍ لـ "لبنان 24" مع رئيس اللجان والأحياء الشعبية في بلدية طرابلس الأستاذ توفيق العتر، اعتبر أن إزالة "البسطات" لم يكن بتلك البساطة التي يتخيّلها المواطن، إذ أن حرمان الطرابلسيين الذين لم يجدوا فرصة للعمل من تأمين لقمة عيشهم لا يرضي احدا، كذلك فإن التدخلات السياسية قبل الانتخابات حالت دون تنفيذ قرار الإزالة بشكل حازم وجدّي، الا ان ازدحام السير وانتشار النفايات في المنطقة والخلافات اليومية التي كانت تحصل بين اصحاب "البسطات" على أحقيّة الوقوف، استدعت قراراً حاسماً يقضي بإيجاد حلّ بديل يمنع قطع الأرزاق ويساهم في حلّ المشكلة التي باتت عبءً على وجه مدينة طرابلس الحضاري وشكلاً من اشكال الفوضى فيها!
وفي خطوات متسارعة نحو الحلّ تقدّم الاستاذ توفيق بمشروع الى المجلس البلدي، والذي يقضي باستثمار قطعتي أرض لمدّة ثلاث سنوات كمرحلة أولية، في منطقة "الغرباء" التي تبعد حوالي 50 متر عن جسر "سوق الخضار" وتتسع لحوالي 90 بسطة يتمّ نقلها من دوار نهر "ابو علي" بمؤازرة عناصر الشرطة البلدية وتحت إشراف الأجهزة الأمنية، التي تواكب النقل والتوزيع تجنّباً لأي تصادم مع اصحاب "البسطات".
وفعلاً، وافق المجلس البلدي على هذا الطرح، وبدأت المفاوضات مع أصحاب الأراضي يقابله رهانٌ من بعض الأعضاء على عدم نجاح هذا المشروع، والذي بحسب "العتر" تأخر عاماً كاملاً قبل تنفيذه بفعل الضغوطات السياسية قبل مرحلة الانتخابات، الا أنّ الأوان قد حان لتنظيم واقع "البسطات" الذي بات يشكّل عائقاً كبيرا امام البلدية بسبب حاجة الناس للعيش الكريم والبطالة التي تنخر جذور المدينة.
وفي سؤال حول الأسواق الداخلية في منطقة"التبانة" أجاب "العتر" أن تركيزه يتمحور حول سوقي "القمح" و "عبد الحميد" والذي يعتبرهما قلب الحركة الاقتصادية النابض إذ كان يعتاش منهما معظم سكّان المنطقة، وقد توجّه بالشكر الى دولة الرئيس نجيب ميقاتي على اهتمامه بسوق "القمح" وترميمه بعد ان كان مهدّما تماما وإعادته الى شكله التراثي الذي كان عليه فيما مضى، الأمر الذي بعث الحياة في المنطقة من جديد بعد دخولها في الإنعاش خلال فترة الحروب، وأضاف أن خطوة "ميقاتي" استدرجت نشاطه ودفعت به للالتفات نحو سوق "عبد الحميد" لا سيّما وانه ابن المنطقة معتبرا ان ثقة اهله اوصلته الى المجلس البلدي ووضعته امام مسؤولياته تجاههم لتحسين احوالهم وإعادة منطقته الى الحياة.
وإذ توجّه مع بعض الأعضاء في المجلس البلدي يرافقهم الرئيس احمد قمر الدين للاستماع الى مطالب الأهالي في الأسواق الداخلية، تقرّر البدء بحملة رشّ للمبيدات بالتعاون مع هيئة الإغاثة، ومن ثم الانتقال الى ورشة تنظيف شاملة بدعم من عمال البلدية وشركة “لاڤاجيت" ومواصلة ترميم "البسطات" المترهلة وإيجاد الحلول المناسبة التي تضمن عيشاً كريما لأهل المنطقة.
يطمح الاستاذ توفيق العتر الى استمرار حملات تأهيل الاسواق الداخلية في منطقة "التبانة"، خصوصا وأن ابناء هذه المنطقة الذين دافعوا عنها يستحقون الدعم الكامل من الدولة حيث ان "التبانة" التي كانت تسمّى قديماً بـ "باب الدهب" من حقّها بعد كل تلك المعاناة ان تخرج الى الحياة من جديد، وذلك لا يمكن أن يتحقق الا بإبعاد الخلافات السياسية عن إنماء المدينة وإنعاشها وتأمين فرص عمل فيها.
وختم "العتر" بأن مشروع كهرباء "نور الفيحاء" المقدّم من الرئيس نجيب ميقاتي، هو حقٌ للمدينة ومطلبٌ لا غنى عنه، وإذ كان "ميقاتي" يسعى الى إعادة الروح لطرابلس بعد أن عاشت سنوات طويلة تحت الركام، فإن من واجب الدولة ايضا ان تخرجها من الظلام الى النور.