قيل بين عيدي السيدة والأضحى، وقيل قبل قرار المحكمة أو بعده، وقيل قبل بدء العام الدراسي أو بعده، أو قبل الميلاد أو رأس السنة ... وربما قبل العقوبات على إيران أو بعدها، أو قبل حسم إدلب أو بعده ... "مرتا مرتا.. تهتمين بأمور كثيرة.. والمطلوب واحد".
تشكلت أم لم تتشكل الحكومة، البلد ماشي وفق "السيستم" المعهود، أي العمل خارج الأعراف والتقاليد والنُظم والمألوف. أو بالأحرى ماذا سيتغير إذا تشكلت الحكومة وما الذي سيتحسن؟ قبل ذلك عاش البلد فراغاً في رئاسة الجمهورية، مرتين، وبقيت الأمور سائرة، البلد أساساً كله ماشي.. نحو المجهول.
هل يظن عاقل للحظة أنه إذا تشكلت الحكومة اليوم قبل الغد سيتغير شيء في وضع الكهرباء، الماء، الطرقات، التلوث، النفايات، تفشي الفساد، سوء الخدمات، تردي الأوضاع، انكماش الأسواق، تراجع السياحة، انحدار الحريات؟ لا شيء.. إذا لا ضرورة لتكبير الآمال وتعظيم المُصاب.
وفق الدستور، لمن يريد أن يتذكره، يتولى الرئيس المكلف تأليف حكومةٍ يرى أن بمقدورها تحمل المسؤوليات الوطنية، يرفعها لرئيس الجمهورية للتوقيع عليها ثم تمثل أمام المجلس النيابي لنيل الثقة.. لكن هل بقي طرف في البلد إلا و"بلّ يده" بتشكيل الحكومة العتيدة، مدعيا تارة بأحقية دستورية أو بفيتو التعطيل وتارة أخرى بمكتسبات وحصص؟!
المشكلة أن اللبناني تعود على إيجاد البدائل، المؤقتة التي تستحيل ثابتة ودائمة. غابت كهرباء الدولة فأَوجد مافيا المولدات، غابت المياه فأوجد "السيترنات"، انقطع الانترنت فظهرت الشركات الخاصة، تراجع مستوى المدرسة الرسمية فرقص أصحاب المدارس الخاصة فرحاً بربح تجارتهم، التهم الجشعون الشواطئ العمومية فسكر محتلو الأملاك البحرية وهكذا. ولو قُدّر للبناني أن يوجد بدائل عما تبقى من رمزيات الدولة ما تأخر للحظة، غير مدرك أن الثورة وإصلاح الفاسد أهم وأولى من الكذب على الذات ببدائل وهمية.
يمكن تلمّس انحدار الأوضاع إلى القعر من جملة مؤشرات، منها الانتشار المخيف لظاهرة المخدرات في مناطق كانت حتى وقت قريب ليست مراتع رئيسية لهذه الآفة، والازدياد المضطرد للجرائم، وازدياد نسب البطالة والعاطلين عن العمل في أوساط الخريجين، وهذه الأمور إن دلّت على شيء فعلى فقدان السياسات وتراجع الأمن الاجتماعي وغياب الروادع. السلطة، أو جزء منها، مشغول بملاحقة كَتبة البوستات، ولا شيء يعلو فوق صوت معركته لإثبات أنه القوي، القوي جداً.
أيلول على الأبواب، وهو يحمل استحقاقات اجتماعية وتربوية ضاغطة، بفعل التركة الثقيلة التي خلفها إقرار سلسلة الرتب والرواتب طمعاً بشعبويات انتخابية زائفة ومن دون دراسة متأنية لتداعياتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية، والحاصل أن قطاعات مهمة وشرائح واسعة أمام أزمة قد تكون غير تقليدية، فهي يعي المسؤولون خطورة الوضع، أم أن ثقافة "البدائل" ستكون حاضرة وكفيلة بامتصاص النقمة؟
في بلد طبيعي يكفي أن تتأثر خدمات الماء والكهرباء والطرق ليثور الناس، اما في لبنان فالثورة معلقة على الوصول الى المريخ، وطالما لا احترام للدستور والصلاحيات والمؤسسات وحقوق المواطن فعبثا يبني البناؤون.