كان لافتاً عدم إصدار المكتب الإعلامي لقصر بعبدا أي بيان حيال اتصال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بالرئيس السوري بشار الأسد، وبحثهما في موضوع النازحين السوريين وسبل تسريع عودتهم إلى ديارهم وفتح معبر نصيب، وعدم نشر الوكالة السورية للأنباء "سانا" هذا الخبر لا من قريب ولا من بعيد.
قد يكون الاتصال الهاتفي حصل فعلاً، لا سيما أن التواصل مستمر بين بعبدا ودمشق منذ ما قبل الرئاسة، فالعماد عون عندما كان رئيسا لتكتل التغيير والإصلاح كان يرفع سماعة الهاتف، بحسب مصادر مقربة من الثنائي الشيعي ل"لبنان24"، كل يوم سبت ويتحدث إلى الأسد . بيد أن المصادر نفسها، ترى أن المعايير السياسية للمكالمة الهاتفية تبقى منقوصة طالما لم يعلن عنها رسمياً.
سارعت أوساط سياسية إلى وضع اتصال عون - الأسد في خانة الضغط على الرئيس المكلف سعد الحريري للإسراع في تأليف الحكومة وفق المعيار الذي وضعه رئيس الجمهورية. بيد أن مصادر مقربة من الرئيس الحريري أوحت في حديث ل "لبنان24" أن هذه الضغوط ستعرقل التشكيل لا سيما بعد رفض الحريري زيارة سوريا ولقاء الرئيس الأسد، تحت أي ظرف من الظروف، حتى وإن كلفه ذلك منصبه، قائلاً "من المستحيل أن أزور سوريا، لا في وقت قريب ولا بعيد، حتى وإن انقلبت كل المعادلات، وإذا اقتضت مصلحة لبنان ذلك "فساعتها بتشوفولكم حدا تاني غيري".
لم يرتح الرئيس المكلف لنيات تسريب الاتصال. وتضع مصادره المكالمة التي أجراها الرئيس عون بالرئيس الاسد، بمعزل عن صفته التمثيلية، في الاطار الشخصي والفئوي، خاصة وان العلاقة مع النظام السوري لا تزال خارج سياق التوافق اللبناني. فهناك انقسام كبير بين الفرقاء تجاه التعاطي مع الاسد. فضرورات الوفاق الوطني لا تسمح، بحسب مصادر التيار الأزرق إقامة علاقات مع نظام موضع الاتهام من بعض المكونات اللبنانية في مسائل تتعلق بالابتزاز الوطني ومسائل أخرى تتعلق باستخدام بعض الشخصيات لنقل متفجرات إلى لبنان ( الوزير السابق ميشال سماحة). بالتالي فإن هذا الأداء الرئاسي، كما يراه "الزرق"، بمثابة الخرق والتجاوز للإجماع اللبناني على المستوى الوطني.
ما تقدم، يوحي وكأن عقارب ساعة الانقسامات المحلية عادت إلى الوراء. فاصطفافا 8 و14 آذار سيعاد تكريسهما في حال تمادى حزب الله وحلفاؤه باستخدام الورقة السورية والضغط باتجاه إعادة إحياء العلاقات الرسمية بين لبنان وسوريا بعد تشكيل الحكومة، تقول مصادر التيار الازرق، مع تشديدها على أن "المستقبل" لم يأت يوماً على ذكر القطيعة مع سوريا، فهو لطالما أكد ضرورة إصلاح العلاقات لتعود بالمنفعة على البلدين، لكن الأمور لا تزال تنتظر مال الأمور في دمشق، وفق تفاهم الولايات المتحدة وروسيا على سوريا، هذا فضلا عن إسرائيل التي فرضت إبعاد الإيرانيين وحزب الله عن الجنوب السوري مسافة 85 كلم من أجل عودة الأمور إلى كانت عليه قبل 2011 برعاية الشرطة الروسية.
وسط هذا المشهد، يستظل الرئيس المكلف بالموقف الروسي. فموسكو ستحاول في المستقبل، بحسب مصادر نفسها، رعاية تفاهمات بين النظام السوري والسعودية على قاعدة اتفاق سياسي بقوم على الاعتراف بدور المملكة في المنطقة وتحجيم دور إيران. فالدور الروسي في المنطقة مرسوم منذ ما قبل وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهناك تفاهمات روسية - أميركية حول سورية بالذات وحول تقليص نفوذ طهران. وما "تصيد" الطائرات "الإسرائيلية" المواقع الإيرانية في دمشق في ظل تحليق الطائرات الروسية في الفضاء السوري إلا تأكيد على وجود مؤامرة أميركية - روسية ضد الجمهورية الاسلامية، وفق قراءة المصادر المستقبلية.
بناء على ما تقدم، تجزم مصادر الحريري أن حزب الله لا يستطيع الإمساك بالورقة الحكومية؛ فهو يدرك جيداً خطورة خطوة كهذه على صعيد الوضع الاقتصادي الهش أصلا، فهو قارىء جيد لتدهور العملة في تركيا وايران، ويعي جيدا الخيارات الأميركية تجاه لبنان. وبالتالي فإن الأمور ذاهبة، بحسب مصدر متابع للمشاورات، باتجاه تاليف حكومة على قاعدة أن لا يملك أحد ميثاقية إسقاطها، وأن تأخذ القوات حقها بناء على نتائج الانتخابات، على أن يتم إسقاط المعيار الواحد على جميع المكونات من دون استثناء وليس على معراب فقط.