كتب جوني منير في صحيفة "الجمهورية": بعد أيام تعلن واشنطن حزمة جديدة من العقوبات على إيران، صاغها المسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب لتكون شديدة القسوة وموجعة الى الحدود التي تجعل حكام طهران يرضخون للجلوس الى طاولة المفاوضات وصوغ تفاهماتٍ سياسيّة سرّية في الشرق الأوسط.
وفيما تتوقع الأوساط الأميركية تراجع نموّ الاقتصاد الإيراني الى 3,6%، فإنّ الرهان هو على أن تشكل النسخة الجديدة من العقوبات الأميركية ضربةً قوية للاقتصاد الإيراني الذي كان يأمل منذ سنتين جني ثمار توقيع الاتّفاق النووي وهو ما بشّر به وراهن عليه التيار الإصلاحي الإيراني.
في المقابل لا يقلّل الإيرانيون من عمق الأزمة الاقتصادية جراء سياسة العقوبات التي تتّبعها واشنطن، لكنهم في المقابل لا يبدون قلقاً، أو بالاحرى هلعاً، نتيجة معطيات عدة ابرزها:
أولاً- فشل الرهان الأميركي على تزايد الانشقاقات الداخلية وتصاعد الضغط الداخلي على السلطة، لا بل على العكس فإنّ الإيرانيين، وكما في محطات التهديد الخارجي، يتقاربون ويتوحّدون.
ثانياً- بوشر العمل على إعادة سدّ حاجات السوق من الانتاج المحلي. وهو ما تمّ تطبيقه بنجاح خلال مرحلة العقوبات السابقة ويجري العمل على استعادة الخطة نفسها. بالتأكيد فإنّ الإنتاج الداخلي لا يعوّض بكامله، لا كمّاً ولا نوعاً، البضائع المستوردة، لكنه يسدّ الحاجة.
ثالثاً- وهو الاهم، أنّ طهران وجدت مَن يساعدها في تصريف بعض من إنتاجها النفطي. روسيا شكّلت منفذاً أساسياً، ولو انها ستستفيد من اسعار النفط الخام الإيراني المخفوضة.
لكنّ مشوار العقوبات المشدّدة على إيران لم يعد طويلاً. فإدارة ترامب التي من المرجح أن تنجو من الانتخابات النصفية، تستعدّ لوضع ملفّين على طاولة التنفيذ فور إصدار النتائج: الملف الاول يتعلق بالتسوية النهائية الفلسطينية ـ الاسرائيلية، والثاني يتعلق بإرساء الحلّ السياسي في سوريا.
وفي الملفّين لا بد من مساعدة إيرانية، أو على الاقل، عدم إثارة الشغب من جانبها. ما يعني أنّ فتح ابواب التفاوض مع إيران لم يعد بعيداً في ظلّ فتح ملفي سوريا وفلسطين، وأيضاً اعتقاد الأميركيين أنّ تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران من خلال العقوبات الجديدة سيسرّع في إنضاج قرار التجاوب الإيراني.
وخلال الايام المنصرمة ثمّة خريطة واقع جديد بدأ ترسيمُها وهي تعطي صورة واضحة عن المسار الذي تدفع واشنطن في اتّجاهه:
ـ رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يزور مسقط على رأس وفد أمني وفي زيارة رسمية تمّ الإعلان عنها. بالتأكيد أنّ لهذه الزيارة علاقة بدور لسلطنة عمان للمساعدة في الملف الفلسطيني، ولكنها ايضاً في إطار المسارعة الإسرائيلية للسعي الى فتح قناة خلفية مع إيران طالما أنّ مرحلة الضغوط قد تبدأ بالتراجع بعد مطلع السنة المقبلة.
ـ دعوة واشنطن رسمياً، وعلى لسان وزير دفاعها، الى وقف اطلاق النار في اليمن والذهاب الى طاولة المفاوضات وذلك في غضون شهر.
ـ القمّة الرباعية في اسطنبول والتي بحثت في الحل السياسي والدستور السوري الجديد قبل الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار وسبل التمويل. ولكنّ اللافت أنّ الرئيس التركي بدأ التمهيد لدفع جيشه في اتّجاه شرق الفرات وهو اعلن أنّ التخطيط لهذه العملية بلغ المرحلة الاخيرة. وقد يكون ذلك في ترجمة لصفقة إطلاق القس الأميركي، ومن ضمن مشاريع ترتيب أدوار وحصص الدول في الخريطة الجديدة لسوريا والشرق الاوسط.
اما في لبنان، فإنّ الافرقاء السياسيين يتعاطون مع ملف تأليف الحكومة التي ستعمّر مبدئياً أربع سنوات من زاوية المحاصصة الداخلية والمعايير المضحكة ـ المبكية الجاري وضعُها، باستثناء "حزب الله".
الأفرقاء الآخرون يحتسبون على الاحجام والاستحقاق الرئاسي المقبل والمشاريع التي ستُطرح على طاولة الحكومة، اما "حزب الله" فيقارب المسألة من الزاوية الإقليمية والصورة الكبيرة الجاري رسمُها للمنطقة.
وفي خضّم "التمريك" ما بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية حول النقاط الحكومية التي خسرها أو ربحها هذا الفريق أو ذاك، غاب عن الجميع كلام الامين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله منذ عشرة ايام حول شرطيه لولادة الحكومة: تمثيل السنّة المستقلين في الحكومة وإبقاء حقيبة وزارة الاشغال لتيار "المردة". وقوله إن لا ينصح بوضع مهل زمنية أمام ولادة الحكومة.
النزاع على فتات الحكومة كان اقوى من قراءة رسالة السيد نصرالله والوقوف على خلفياتها، ما جعل البعض يبشرون بولادة حكومة بعد ساعات.
وبخلاف الذين اعتبروا انّ كلام نصرالله للمناورة، فإنّ المناورة قد تجوز على لسان احد النواب، لكن على لسان الامين العام لـحزب الله يكون إعلان قرار، ولم يحصل أن تراجع عنه قبلاً.