تحت عنوان رئيس الجمهورية قد يُسمّي المعرقلين اذا بقيَ الجمود سائداً، كتبت دوللي بشعلاني في "الديار": تعرقلت ولادة الحكومة الجديدة التي كان يُفترض أن تكون هدية للبنانيين قبل عيدي الميلاد ورأس السنة، ليس بسبب العقدة السنيّة التي أعادت تشكيلها الى المربع الأول، ولا بسبب التوزيع الجديد للحقائب بعد موافقة الرئيس المكلّف سعد الحريري على توزير شخصية سنيّة تُمثّل نوّاب اللقاء التشاوري من خارج حصّته، إنّما بسبب التطوّرات الإقليمية الطارئة، وتقاسم الدول الكبرى لحصصها في المنطقة.
وتقول أوساط سياسية مراقبة بأنّ انسحاب 2130 عنصراً من القوّات الخاصّة الأميركية من سوريا في الأيام المقبلة وانتشارها في أربيل العراقية، سيخلط الأوراق الإقليمية مجدّداً، وسيرفع من النفوذين الروسي والإيراني في المرحلة المقبلة لا سيما بعد أن يُحدث الإنسحاب الأميركي فراغاً على الساحة السورية.
ويتعاظم هذا النفوذ برضى تركي وأميركي، ما أثّر سلباً على تشكيل الحكومة في لبنان، خصوصاً بعد أن أُدخل في حسابات الصراع الدولي الذي تحوّل الى تسوية سياسية. فبعد أن كانت إيران الداعمة لحزب الله في لبنان غير مهتمّة بوجوده السياسي بشكل كبير، وتولي الأهمية لحضوره العسكري فقط، أصبحت اليوم تريد أن يحوز على دور بارز في الحكومة الجديدة، على غرار وجوده في المجلس النيابي. ولهذا يصرّ الحزب على توزير سنّي معارض مقرّب منه حتى ولو لم تأخّر تشكيل الحكومة لأشهر عدّة بعد، لكي يُقفل الباب أمام السعودية على الضغط على الحريري لتحجيم دوره في لبنان.
ولكنّ القضية لم تعد مسألة مقعد سنّي معارض، أو توزير سنّي من اللقاء التشاوري أو يُمثّل اللقاء، على ما عقّبت الاوساط، إنّما باتت أكبر من ذلك بكثير، فتوزيع حصص الدول الكبرى في المنطقة بات هاجس الجميع. وإذا كانت الولايات المتحدة قد رفعت الإبط لسيطرة روسيا في سوريا، فهي لا بدّ وأنّها تريد شيئاً ما في المقابل، يتمثّل في تركيبة الحكومة الجديدة في لبنان التي من المفترض أن تحكم حتى نهاية العهد الرئاسي الحالي. فالولايات المتحدة التي تعتبر السعودية إحدى حليفاتها المهمّة في منطقة الشرق الأوسط تودّ إرضاءها، وإرضاء إسرائيل بالتالي، ولهذا تضغط من أجل عدم تسهيل ولادة حكومة جديدة يكون فيها حزب الله وفريق 8 آذار هو الرابح، وقادر على تعطيل مشاريعها من خلال حصوله على "الثلث الضامن" فيها، إنّما على العكس تودّ أن تبقى التسوية السياسية بين عون والحريري قائمة، على أن تصبّ في مصلحتها.
وفيما يتعلّق بالحديث عن أنّ "ورقة التفاهم" التي وُقّعت في كنيسة مار مخايل بين "التيّار الوطني الحرّ"، و"حزب الله" في 6 شباط من العام 2006، بدأت تتزعزع لعدم التوافق بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والأمين العام لـ "حزب الله" السيّد حسن نصرالله على الوزير السنّي المعارض، تقول الأوساط نفسها بأنّ الورقة لا تزال قوية وثابتة، على غرار علاقة الرئيس عون والسيّد نصرالله، والتباين في وجهات النظر لا يُفسد في الودّ قضية. كما أنّ الخلاف ليس بين عون والسيّد نصرالله، وإلاّ لكان الرجلان قد أوجدا الحلّ سريعاً.
وإذا كان البعض يرى بأنّ العماد عون قد ألمح، بعد مشاركته في قدّاس عيد الميلاد الذي ترأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في بكركي، الى حزب الله بقوله إنّ "البعض يخلق تقاليد جديدة في تأليف الحكومة لم نعرفها من قبل، وهذا يتطلّب المزيد من الوقت للوصول الى الحلّ"، فإنّ الأوساط نفسها، تجد أنّ هذا الأمر غير صحيح. فالتقاليد الجديدة فرضتها قوى أخرى من الطوائف كافة- وليس فقط من الطائفة السنيّة المعارضة - بحجّة أنّ لكلّ طائفة خصوصيتها. فالحكومات السابقة لم تكن تُشكّل على أساس تقاسم الكتل النيابية للحصص، بل على أسس أخرى لا علاقة لها بالتقسيمات الحالية.
من هنا، إنّ كلام الرئيس عون يشمل الجميع، على ما شدّدت الاوساط، وليس طرفاً معيّناً دون سواه، وإلاّ لكان سمّاه. علماً أنّ المقرّبين من الرئيس يشون بأنّه قد يُسمّي المعرقلين في حال استمرّ الجمود على ما هو عليه. أمّا القول بأنّ ولادة الحكومة تتطلّب المزيد من الوقت للوصول الى الحلّ، فهذا يعني بأنّ الرئيس عون لن يتراجع عن السعي مع الأفرقاء المعنيين توصّلاً لهذا الحلّ. فالمهم لديه هو تشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثّل فيها الجميع وتكون قادرة على العمل الجدّي لإنقاذ البلاد من كلّ التحديات التي تواجهها، أكان مع إسرائيل، أو الإرهاب الذي يعتقد البعض أنّ خطره ذهب من دون عودة على الأقلّ بالنسبة للبنان، أو فيما يتعلّق بإيجاد الحلول المناسبة للملفات الداخلية.
وتقول الاوساط، بأنّ انسحاب القوّات الأميركية من سوريا، لا يعني انتفاء التنظيمات الإرهابية من دول المنطقة، فتهديد "داعش" لا يزال قائماً وخطيراً، بحسب بعض العارفين، ويطال كلّ دول العالم. لهذا، تنصح دول الخارج لبنان بأن يتحصّن سريعاً بحكومة جديدة لكي يتمكّن من مواجهة هذا التهديد الإرهابي الذي قد يتحرّك مجدّداً بعد مغادرة القوّات الأميركية لسوريا. فتغيّر المعطيات على الساحة السورية لن يحصل من دون تطوّر ما قد يؤثّر على دول الجوار ومن بينها لبنان.
وفي رأي الاوساط، إنّ الخلاف في وجهات النظر لا يُمكنه أن يستمرّ طويلاً بعد، وإبقاء لبنان من دون حكومة جديدة، لأنّ هذا الأمر يُفقد ثقة دول الخارج به. ولهذا فإنّ روسيا ستدخل على خط تشكيل الحكومة سيما وأنّ ذلك يُساهم في ولادتها، وذلك بالإتفاق مع الجانب الأميركي، على ما جرى في سوريا. فلولا موافقة أميركا مع روسيا وتركيا على المرحلة السياسية المقبلة في سوريا، لما اتخذ الرئيس الأميركي قرار سحب قوّاته من هناك. ولهذا فلا بدّ من ترجمة الإتفاق نفسه، أو التسوية نفسها، في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة.
ويقول المراقبون: صحيح أنّ تشكيل الحكومة الجديدة قد عاد الى المربّع الأول، على ما يبدو، مع عملية شدّ الحبال بين روسيا وإيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية والسعودية من جهة ثانية، إلاّ أنّ التسوية التي بدأت تتبلور معالمها في سوريا، لا بدّ وأن تنعكس إيجاباً على تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان. ولكن ذلك لن يحصل إلاّ إذا أرادت الأطراف المجتمعة ذلك، وأعطت الضوء الأخضر للجميع بضرورة القبول بتفاسم الحصص على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب».