تنطلق غداً أعمال القمة التنموية الاقتصادية العربية في دورتها الرابعة التي تحمل شعار "الإنسان العربي محور التنمية".. نعم من دون مزاح هذا هو شعار القمة التي مرّت بمخاضات عديدة، ومدّ وجزر، حتى وصلت إلى ما يشبه الاجتماعي الوزاري بفعل انسحاب الملوك والرؤساء والقادة ورؤساء الوزراء، مخلفة صدمة قاسية، وهزالاً معبّراً في المسار، والتحضير، والشكليات، والدور، والنتائج المتوقعة، لصورة لبنان، ودولته، ومؤسساته، وموقعه وعلاقاته الخارجية، وهي سابقة في تاريخ علاقات لبنان مع الدول العربية، بصرف النظر عن النتائج المتوقعة وفي ذلك أسوأ وأبلغ رسالة إلى من يعنيهم الأمر في الداخل.
ومن المقرر أن تناقش القمة ملفات اقتصادية واجتماعية وقضايا تتصل بـالنهوض بالشباب، وزيادة تمكين المرأة، وإطلاق إطار عربي استراتيجي للقضاء على الفقر وعمالة الأطفال، وقضايا اللاجئين، ومسائل أخرى تؤكد على "وضع الإنسان محوراً للتنمية"، بحسب مساعدة الأمين العام للجامعة العربية للشؤون الاجتماعية، هيفاء أبو غزالة. والواقع أن الحاجة، العربية واللبنانية، متزايدة إلى تعزيز أطر التعاون الإقتصادي والتنموي والسياحي والبيئي نظراً للمؤشرات المخيفة التي تعكسها نسبُ البطالة والفقر والأمية والتفاوتات المجتمعية وآثار الحروب في أكثر من بلد عربي.
وبعيداً عن القمة ومستويات التمثيل فيها، ثمة سؤال جوهري، هو متى يمكن الحديث عن نظامٍ عربيٍّ، تنموي واقتصادي، جديد؟
ثمة مفارقات مذهلة في غالبية الدول العربية لناحية الإغراق في التخلف والصراعات وانتهاك حقوق الإنسان وغياب الحريات وتواطؤ الأنظمة على الشعوب، باستثناء قلّة قليلة من دول جعلت من الإنسان محور التنمية والتخطيط المستقبلي. وبالنظر إلى النماذج الفاشلة يمكن الحديث عن لبنان الذي يعاني من أزمة نفايات منذ أربع سنوات فيلجأ لردمها في البحر، ولم يستطع تأمين كهرباء فيلجأ لشراء الطاقة من سوريا ومن بواخر التوليد وغيرها عشرات النماذج. في العراق تفتقر مدن رئيسية كالبصرة إلى مياه الشرب والري، وهي للمفارقة، مدينة تعوم على بحر من النفط، وفي تونس بطالة تدفع إلى ظهور "بوعزيزي" جديد بين حين وآخر، وفي فلسطين انقسام دموي بين "الأخوة" على دولة لا وجود لها، وشعب مسجون في معتقل كبير بفعل احتلال مجرم، وفي اليمن وسوريا والسودان وليبيا انسدادات قاتلة تدفع الشعوب ثمنها دماً ونزوحاً وبؤساً ومزيداً من الانقسامات.
نعم، لدينا في العالم العربي مشكلات كبرى، اجتماعية واقتصادية وتنموية، تقف وراء تصدّع الأنظمة السياسية والإنسان العربي، تأتي في مقدمتها: (أ) ضعف بنية الدول وهشاشة المجتمعات بسبب التسلط وغياب التعددية والحريات، و(ب) غياب سياسات التنمية والتخطيط للمستقبل بفعل انشغال كثير من الأنظمة بقهر شعوبها، و(ت) التدخلات الإقليمية والدولية وتحويل بعض الدول العربية إلى منصات نفوذ لقوى إقليمية بسبب حالة "الخواء الاستراتيجي العربي" (بحسب تعبير وزير الخارجية السعودية السابق الأمير سعود الفيصل). وهذه المشكلات، السياسية في الظاهر لكن تداعياتها ونتائجها اجتماعية واقتصادية، تعيد التذكير بالحاجة لصحوة عربية ترمّم تصدعات الداخل، وتتعامل مع القوى الإقليمية والعالمية وفق مشروع ورؤية وليس بمنطق التبعية والاستزلام، وإلا سنبقى في زمن "الحرب الباردة العربية" (والتعبير لمالكولم كير في وصفه للوضع العربي زمن صرعات الستينات والسبعينات من القرن الماضي).
الدول تصبح فاشلةً بسبب طغيان السلطة من جهة، وغياب التنمية، وتدمير قطاعات الانتاج الزراعية والصناعية والتجارية من جهةٍ ثانية. وإذا اجتمع الطغيان وغياب سياسات التنمية ظهر التطرف وتصدعت البنية الاجتماعية والسياسية الوطنية كنتيجة طبيعية للفشل في الإدارة السياسية والاقتصادية. ومن دون معالجة هذه الاختلالات بإرادة سياسية وتنسيق مشترك وعدم استجابة للمحاور الخارجية، لا يمكن الحديث عن مستقبل للدولة الوطنية، وعن تنمية اقتصادية واجتماعية وعن إنسان متقدم ومتصالح مع نفسه ومع العالم. هذه هي معالم النظام العربي الجديد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي يطمح كثيرون جداً من المحيط إلى الخليج للعيش في ظله، وهي معالم تستحق الأمل والالتزام والعمل والتنسيق، والرجاء بأن تكون قمة بيروت محركأً فاعلاً لها بما تمثله من عاصمة للأمل والتحدي والعروبة والتنوع، ومن قيمة ورسالة للعرب جميعاً.