بعد طول إنتظار وأخذ وردّ ومشاورات ومساعٍ وشروط وشروط مضادة وتدخلات من هنا ومن هناك ونصائح من الأقربين والأبعدين، يبدو أن أمور الحكومة سائرة نحو الحلحة، مع التشديد على أن لا أحد من اللبنانيين بات يصدّق أي شيء أو يثق بأي معلومة ما لم يرّ بأم العين توقيع كل من رئيسي الجمهورية والرئيس المكلف على مرسوم تأليف الحكومة، وقبل أن يرى أيضًا الصورة التذكارية للوزراء الجدد أمام قصر بعبدا.
قد لا يُلام هذا اللبناني، الذي بات ينفخ على لبن الحكومة لكثرة ما أكتوى بحليب الوعود الفارغة، وهو الذي بات مقتنعًا بمقولة الرئيس نبيه بري "ما تقول فول حتى يصير بالمكيول" أكثر من أي مقولة أخرى، لأن التجارب السابقة علمّته ألاّ يؤخذ بموجات التفاؤل، التي عيّشته على الآمال الوردية، وهو غير مقتنع أساسًا بأن أي حكومة يمكنها أن تنتشله من مستنقع الكمّ الهائل من المشاكل الواقعة على رأسه، وهو الذي ينام على مشكلة ليفيق في اليوم الثاني على مشكلة أخرى تضاف إلى التراكمات الهائلة من المشاكل، التي أصبحت في حجم الجبال.
ولأن وضع البلد لم يعد يحتمل الكثير من "الدلع السياسي"، ولأنه وصل إلى حافة الهاوية، وهو الواقف اساسًا على "صوص ونقطة"، وبات قريبًا جدًا من السقوط في الهاوية، توصّل المعنيون إلى خلطة سحرية، إن لم نقل أن "كلمة السرّ" أتت من مكان ما، وهذا ما توحي به التحذيرات التي سمعها المسؤولون من أكثر من دولة يهمّها كثيرًا ألا ترى لبنان ينهار فيما أبناؤه يتفرجون ويتناتشون ما تبقى من قالب الجبنة، الذي يكاد لا يكفي لإشباع جائع، أصبح الحل على قاب قوسين أو أدنى
.
وهذه الخلطة تقوم على التلاعب على الأرقام. فبدلًا من الثلاثة أعشار أصبح العدد النهائي، وفق ما هو ظاهر، عشرة لفريق الرئيس سعد الحريري، وتسعة ونصف لفريق الثامن آذار، وعشرة ونصف لفريق رئيس الجمهورية، أي أن وزير "اللقاء التشاوري" يكون من حصة الرئيس عون، ولكنه عند التصويت في الأمور غير السيادية وغير الإستراتيجية، يذهب صوته إلى فريق الثامن من آذار، علمًا أن لا خلاف في الأساس في الأمور الجوهرية بين فريق رئيس الجمهورية وفريق الثامن من آذار، وهذا ما ألمح إليه السيد حسن نصرالله في مقابلته منذ ثلاثة ايام، عندما تحدّث عن علاقته الجيدة جدًا مع رئيس الجمهورية، وعلاقة صداقة تجمعه مع الوزير جبران باسيل.
فإذا صحّت هذه التوقعات تكون الحكومة قد قطعت نصف الطريق نحو التأليف، على أن يتفق كل من الرئيسين عون والحريري على الإسم الذي سيمثّل "اللقاء التشاوري"، على أن تبقى عقدة إعادة توزيع الحقائب، فتؤول وزارة البيئة إلى "التيار الوطني الحر"، على أن يُعطى الرئيس بري وزارة بحجم أهمية البيئة، بعدما جعلت منها مشاريع "سيدر" وزارة مشتهاة. وهذا الأمر سيحسم في اللقاء الذي سيجمع اليوم الرئيسين بري والحريري، الذي تناول العشاء أمس إلى مائدة الوزير السابق وليد جنبلاط في أحد مطاعم بيروت، وهو عشاء وصف بأنه "عشاء الأصدقاء"، مما يعني أن الرئيس المكلف مهدّ الطريق مع جنبلاط قبل توجهه اليوم إلى عين التينة.
فإذا حلت عقدة توزيع المقاعد بما يرضي جميع الأطراف، فإن الرئيس الحريري سيصعد هذه المرّة إلى قصر بعبدا، ومعه "التوليفة" النهائية، التي لم تكن لمسات الوزير باسيل بعيدة عنها.
وتأسيسًا عليه فإنه من المتوقع أن تبصر الحكومة النور قبل نهاية هذا الأسبوع، وفق ما هو متوقع، على أن تبقى مقولة "ما تقول فول حتى يصير في المكيول" هي الكلمة النهائية.