تعود قضية منطقة مزارع شبعا - تلال كرشوبا المحتلّة إلى الواجهة، بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسيادة المحتل الإسرائيلي على مرتفعات الجولان، الأمر الذي أثار مخاوف لبنانية مشروعة حيال مصير مزارع شبعا اللبنانية، وما إذا كانت هذه القرصنة الأميركية الإسرائيلية تشمل المزارع، لا سيّما وأنّها بالمفهوم الأميركي وحتّى الأممي ليست أرضًا لبنانية، طالما أنّ الأمم المتحدة لم تتسلم بعد من لبنان أو سوريا الخرائط التي تثبت لبنانية المزارع. وزاد من منسوب القلق أنّ المزارع وُضعت من قبل الأمم المتحدة آنذاك وفق القرار 242، أيّ أنّها خاضعة لقوات الأمم المتحدة لفض الإشتباك "اندوف"، وليس لقوات الأمم المتحدة الموقتة في جنوب لبنان "اليونيفل" وفق القرار 425.
في لبنان، بعضهم تخاذل ولم يطلب من النظام السوري، تسليم تلك الخرائط إلى المنظمة الدولية، ضعفًا أو تبعيًة أو غير ذلك، لا فرق فالنتيجة واحدة، والبعض الآخر تجرّأ وبادر وطالب، ولم يصل إلى النتيجة المرجوة، أيّ إقناع دمشق بتسليم تلك الخرائط، ولكنه كسب شرف المحاولة.
المسؤولون السوريون لا ينكرون حقيقة هوية المزارع اللبنانية، ولكنّهم في الوقت عينه يمتنعون عن تسليم الخرائط، أو إرسال كتاب خطّي إلى الأمم المتحدة تعترف فيه سوريا بلبنانية المزارع، طمعًا بربط المسارين. وفي سياق الإعتراف السوري بلبنانية المزارع نستعين بما رواه النائب السابق للرئيس السوري فاروق الشرع في مذكراته "الرواية المفقودة" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2015، بحيث تحدّث الشرع عن لبنانية مزارع شبعا قائلاً:
" كنت يوم 25 أيار عام 2000 في لشبونة عاصمة البرتغال للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية الدول الأوروبية المتوسطية... كانت مداخلتي في المؤتمر ضرورية.. قلت أنّ ايهود باراك ما كان لينسحب من جنوب لبنان لولا الخسائر الفادحة التي منيت بها قوّاته على الأرض اللبنانية لسنوات طويلة، وأنّنا في سوريا نرحّب بهذا الإنسحاب وسنعتبره انتصارا سياسيا لسوريا إذا كان من دون قيد أو شرط... اتصل بي بعدها الرئيس سليم الحص مستفسرًا عن تبعية مزارع شبعا، لأنّ هناك لغطًا كبيًرا بشأن هذا الموضوع، أخبرت الحص أنّني أبلغت تيري رود لارسن بوضوح أنّ مزارع شبعا لبنانية". يضيف الشرع في كتابه "كان لارسن حريصًا جدًا على أن تكون مزارع شبعا سورية وليست لبنانية، أي أنّها تتبع لقوات الأمم المتحدة لفض الإشتباك "اندوف" وليس لقوات "اليونيفل"، وذلك بهدف إلغاء دور المقاومة جنوب لبنان، شكرته على هذا الموقف "الكريم" وأبلغته أنّ مزارع شبعا لبنانية... صمت وانصرف غير مرتاح لهذا الجواب لأنّ هدفه إنهاء المقاومة في لبنان عند رسم الحدود وليس سخاءه تجاه سوريا".
هذا الإعتراف بلبنانية مزارع شبعا الصادر عن شخصية رسمية سورية ارتبط اسمها بمراحل مهمة ليس الأول أو الأخير، فالشرع أكّد للأمين العام للأمم المحتدة كوفي أنان في العام 2000 أنّ "سوريا تدعم ادّعاء لبنان بلبنانية المزارع"، وفي كانون الثاني عام 2006 أوضح الأسد نفسه أنّ المزارع لبنانية وقال حينذاك "ولكنّ سوريا لن ترسم الحدود مع لبنان إلّا بعد الإنسحاب الإسرائيلي من هذه المنطقة".
وعام 2009 أكدّ المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان مايكل وليامز في حديث صحافي، أنّه عندما إلتقى في دمشق الوزير وليد المعلم قال له بوضوح ومن دون أيّ إلتباس أنّ المزارع لبنانية. وأضاف وليامس "فقلت له: إنّ عليّ إعداد تقرير لمجلس الأمن هل استطيع أن أذكر ها الأمر فأجاب المعلم بنعم".
وبالتوازي مع اعتراف المسؤولين السوريين بلبنانية المزارع الذي حصل في أكثر من مناسبة لا مجال لتعدادها هنا، حصلت محادثات لترسيم الحدود بين لبنان وسوريا عامي 1946 و1963 ووقّع الطرفان محضرها وفيها أنّ المزارع لبنانية. لكن كل ذلك لم يقترن بتسليم الخرائط إلى الأمم المتحدة. وفي كلّ مرة تعود قضية المزارع المحتلة إلى الواجهة، يُصّور الأمر على أنّه نزاع بين لبنان وسوريا، فتستغل اسرائيل هذا الواقع وتبقي على احتلالها للمزارع.
حيال هذا الواقع ترى المقاومة نفسها مكبّلة بتصرف الصديق والحليف إن اعترفت أو لم تعترف، وكذلك هو حال الدولة اللبنانية بهيئاتها الرسمية. ولكنّ الصمت السوري السابق حيال لبنانية المزارع لم يعد يلائم الواقع، بوجود شخصية أميركية على رأس الدولة العظمى تستميت في تجيير فائض التسلّط لتوأم جشعها، لتستكمل صفقة القرن، فتصادر الأرض والهوية، على مرأى من عالم صامت يكتفي ببيانات استنكار لم تقدّم أو تؤخّر يومًا في حفظ تراب الأوطان.
وانطلاقًا من كل ذلك، "الشقيقة" مطالبة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى بتسليم الخرائط إلى الأمم المتحدة. فهل تفاجئنا جارتنا وتفعلها؟ وبالرغم من أنّ الجواب معلوم ومخيّب للآمال، فإن ذلك لا يعفي المسؤولين اللبنانيين، سواء من هم حلفاء سوريا أو معارضي نظامها، من التوجه بكتاب رسمي إلى دمشق للقيام بواجبها ولو متأخّرة عشرات السنين.