تحت عنوان "مدقق في لجنة سيدر: لا يمكننا اعطاء لبنان ثقة عمياء..." كتبت دوللي بشعلاني في صحيفة "الديار": "في الوقت الذي يعقد فيه مجلس الوزراء اليوم الثلاثاء جلسة لمناقشة مشروع الموازنة والإقتراحات الواردة ضمناً من أجل اعتماد سياسة التقشّف من تخفيضات المخصّصات والرواتب والإجراءات والإعفاءات الضريبية وما الى ذلك، كشفت مصادر سياسية بأنّه جرى تسريب مسجّل صوتي لمدقّق في لجنة مؤتمر "سيدر"، بالنيابة عن صندوق النقد الدولي ينصح فيه المسؤولين اللبنانيين بأن "يقوموا بإصلاحات وتعديلات بسيطة في المطار والمرافىء والتهرّب الضريبي وسواها، من الممكن أن تضيف ما يُقارب من 6 الى 8 مليارات دولار سنوياً بدلاُ من أن يتوسّلوا الفرنسيين أن يعطوهم هذه الأموال".
وهذا الخبير الأجنبي الذي كان المدقّق الرسمي في مؤتمري "باريس 2" و"باريس 3"، وعلى علم تام بإطار العمل والشروط التي وُضعت لهذين المؤتمرين، أبدى موقفه بكلّ صراحة أمام اللجنة أو الوفد اللبناني عندما طُلب منه منح الثقة للبنان لكي يتمكّن من الحصول على مساعدات وهبات مؤتمر "سيدر" بعد تحقيق الإصلاحات المطلوبة، فقال: "أجد أنّه من الصعب جدّاً اليوم أن نمنحكم الثقة العمياء التي منحناكم إيّاها في مؤتمرات باريس 1 و2 و3".
وألمح الى أنّ "حقيقة تسمية المؤتمر الدولي الذي عُقد لدعم لبنان إقتصادياً في 6 نيسان من العام الماضي، "سيدر" بدلاً من "باريس 4"، هي ببساطة مبادرة تسويفية للقول بأنّنا فشلنا في المؤتمرات الثلاثة السابقة، وها نحن نفعل اليوم شيئاً جديداً". وتساءل المدقّق لماذا قامت الحكومة الفرنسية، للمرّة الأولى في التاريخ الفرنسي، على ما نقلت المصادر، بإنشاء منصّة تبرّعات دولية قبل بضعة أسابيع من انتخابات (نيابية) مرتقبة، دعماً للبنان، وهذا الأمر لم يحصل من قبل، فهل هناك ضرورة سياسية وراء ذلك، وهل هذا مصدر رزق غير مباشر للحكومة القائمة حالياً؟
وأفاد بأنّه وصندوق النقد الدولي قد زوّدوا الحكومة اللبنانية منذ العام 1999 وحتى اليوم، بتقارير سنوية كاملة ضمّنوها توصيات دقيقة للإصلاحات الإدارية التي يجب أن تُنفّذ وتُطبّق في الدولة اللبنانية، إن كان المسؤولون اللبنانيون يريدون فعلاً تقليص الدين العام مقارنة بالدول الأخرى. وذكرت المصادر بأنّ المدقّق نفسه وصف الوضع في لبنان بأنّه "مرض سرطاني وهو ناتج عن تقصير الحكومة، الأمر الذي أدّى الى فساد غير مقرون وغير مسبوق"، مشيراً الى أنّه عمل في دول عدّة، وفي أكثر من 25 دولة أفريقية، ولحظ أنّ الدولة الوحيدة التي تُقارب لبنان فيما يحصل، كانت دولة بتسوانا، والى حدّ أقلّ زمبابوي.
واستغرب كيف أنّ بلداً مثل لبنان، لديه قدرة فكرية وثقافية يجعل الخدمات المهّمة، مثل الكهرباء ومعالجة التلوّث والتعليم، لا تحصل فيه، من دون أن يكون هناك سبب وجيه لذلك. كذلك فإذا نظرنا الى المطار، والمرافىء والتهرّب الضريبي، بحسب رأيه، فهذه كلّها أمور يُمكنها من خلال إصلاحات وتعديلات بسيطة، أو حتى من خلال تطبيق القوانين الموجودة أساساً في البلاد، أن تُضيف الى الإقتصاد اللبناني ما يُقارب من 6 الى 8 مليارات دولار سنوياً، وهذا رقم ممتاز. ونصح المسؤولين اللبنانيين قائلاً: "بدلاً من أن تتوسّلوا الفرنسيين أن يعطوكم هذه الأموال، لماذا لا يتمّ الإصلاح من الداخل؟".
ونقلت المصادر بأنّه انتقد الحكومة اللبنانية صراحة بالقول: "إنّ لبنان الذي يملك اقتصاد دولة بحجم مدينة في ميامي لديه 30 وزيراً، فيما روسيا التي لديها 13 منطقة زمنية لديها 9 وزراء فقط. ومن هنا أتفهّم أن يكون من الصعب التوصّل الى مقرّرات بعدد كهذا من الوزراء. غير أنّ توصيتي وتوصية البنك الدولي المذكورة في التقرير الصادر عنه في هذا الإطار، أنّه ليس من الصواب أن يطلب اللبنانيون المساعدة من الغير، إنّما عليهم أن يسألوا أنفسهم ما الذي يُمكننا أن نفعله لنساعد أنفسنا؟!".
ووضع المدقّق الغربي إصبعه على المشكلة الفعلية في لبنان، عندما أوضح بأنّ "معدل الدين العام الحالي بدون اقتطاع نسبة التوريث، سيبقي أولاد أحفادكم يُسدّدون هذا الدين الى الأبد، وهذا إن افترضنا أنّ معدّل النمو سيزداد بنسبة 8 الى 10 % سنوياً، وهو طبعاً أمر مستحيل. فإذاً، إنّ الفساد، هو المشكلة الرئيسية التي يبدو وكأنّنا نتغاضى عنها دائماً، فالمجتمع الدولي لطالما تعامل مع لبنان كأنّه ذلك المدمن على الكحول الذي يتوعّد أنّه سيتغيّركلّ يوم، ويُقلع عن هذه العادة السيئة ولكن دون جدوى".
وبناء على موقف البنك الدولي هذا، شدّدت المصادر على أنّه وفق معلومات هذا الأخير فإنّه "ليس هناك أي مؤشّر في المدى القريب، وخصوصاً في ظلّ وجود الهيكلية السياسية الحالية، يدلّ على إمكانية حصول أي تغيير أو إصلاح في لبنان، وأنّه من المؤسف التوصّل الى هذه النتيجة. ومن هنا، أشارت المصادر الى انه في حال لم تنجح "حكومة الى العمل" خلال جلستها اليوم بتقديم مشروع موازنة يُنقذها من الوضع السيئ الذي ترزح تحته، وتُقنع به البنك الدولي، فإنّ استقالتها من قبله قد تكون مطلوبة قريباً، على أن يتمّ تشكيل حكومة جديدة مصغّرة تضمّ خبراء إقتصاد ومال وأعمال بدلاً من وزراء حزبيين.
ويختم المدقّق موقفه بالإشارة الى أنّ "النموذج الذي قدّمته اليونان، وبالرغم من أنّه لن يحصل، لأنّه بصراحة لا أحد يهتمّ، والنموذج الذي قُدّم ليوغوسلافيا السابقة، والذي قُدّم أيضاً لنيجيريا هما، على الأرجح، النموذجان الدوليان الأقرب لتطبيقهما في لبنان فيما يتعلّق بالتدقيق والإنفاق، ما يمكّن هذا البلد من الخروج من المأزق الذي هو فيه". وهنا، تساءلت المصادر: هل تقوم الحكومة بتطبيق أحد هذين النموذجين اللذين يجد فيهما المجتمع الدولي اليوم الحلّ الأفضل للبنان لكي يتمكّن من إنقاذ نفسه من الهاوية المرتقبة قبل فوات الأوان، أم ستبقى في موقف المتفرّج وتُبقي ديونها تجرّ سنوياً والى الأبد؟!".