كتب أحمد محسن في "الأخبار": المدينة بصورتها التي نعرفها سقطت. ما سيأتي لاحقاً سيكون من تداعيات السقوط. حرّرها أهلها والقادمون من الأطراف لاستعادتها. بات هذا معروفاً للزائرين وحتى للمتفرجين. لكن عن قرب، تبدو شبكة العلاقات بين المتظاهرين أكثر تعقيداً. على الأرض، وحتى الآن، نجح المتظاهرون في احتواء التعقيدات، عبر "عقد اجتماعي" غير معلن، يحدد شرعية كل منهم، مساحته، حقوقه وواجباته. ومثلما اتضح الانقسام الطبقي في البلد إلى طبقتين، حيث كل طبقة تدافع عن مصالحها عبر أدواتها، تشهد الساحتان نزاعاً غير معلن، بين مجموعة تمثل مصالح متضرّرة بشكل رئيس من تراكم رأس المال في قبضة القلة، وفئة على حافة الالتحاق بهؤلاء.
طبقة ضدّ طبقة
في المساحة الفاصلة بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح، يمكن رصد تقاطع بين المجموعتين الاعتراضيتين، على مستوى الثقافة. قادمون من الأطراف، بمطالب سياسية متشابهة. قادمون من الضواحي، لكنهم مأخوذون بخطاب ليبرالي، يظهر في شعارات يحملونها على لافتاتهم، باللغات الأجنبية خاصةً. حضورهم في الساحة خلف أصحاب الحناجر القوية، هو حضور عملياً ضد هذا الخطاب. هؤلاْء، غالباً، من خرّيجي الجامعات، وقد جرّبوا الحصول على وظائف معقولة. وغالباً لديهم سيارات، بالتقسيط، وكانوا يطمحون للاستعانة بقروض الإسكان لشراء منازل. وشعروا فجأة، أن طموحاتهم معرّضة للانهيار. الموسيقى التي يسمعها هؤلاء هي موسيقى البوب التجارية، ولا سيما أغنيتي عاصي الحلاني وجوزيف عطية، اللذين تطبع صوتيهما الجبليين نبرة تلائم ذائقة النيوليبرالية المدينية. وهؤلاء، كما يتضح، بعد الحديث معهم، أنهم شاركوا في اعتصامات وتظاهرات، قادتها البورجوازيات الصغيرة، لا سيما في حراك 14 آذار الشهير. يردد هؤلاء خطاباً اعتراضياً لا يخلو من الشتائم، لكنه ليس حاداً تجاه طبيعة النظام، بل هو حاد ضد منتجاته. لديهم ترف التفكير بالهجرة، ويطالبون بتعليم أفضل وضمانات صحية. وقد تلمس سلوكاً متوقعاً منهم، يتركز في الابتعاد عن الحلقات الآتية من الضواحي، سرعان ما يضمحل، نظراً لطغيان الفئات المتضررة تضرراً حقيقياً.
جزء كبير في التظاهرات اضطر للتخلي عن "سلوك" الطبقة الوسطى. طبقة ضدّ طبقة، هذا هو الصراع الآن.
في رياض الصلح، بمعزل عن الشق النظري الطويل، ستكتشف أن الطبقة الوسطى مجرد سلوك. وهمٌ كبير. وقد تخلى عنه المتظاهرون، عندما التحقوا بالطبقة الحقيقية التي ينتمون إليها. جماهير نادي النجمة. سائقو الدراجات النارية. أبناء الضواحي المعدمة. الريفيون الصلبون الذين وجدوا مدينة يابسة بلا روح. أهل الطبقة التي تشتم وتسب وتعلن غضبها بلا حسابات. التظاهرات شعبية، وتالياً على الجميع أن يلحق الشعب.
في اليوم الأول، أجزاء كبيرة منهم، كما بات معروفاً، وصلت على دراجات نارية. فمن هم هؤلاء؟ ربما تصلح هذه المقابلات الخاطفة لأن تكون تمريناً على الفهم:
إملأ الفراغ بالكلمة المناسبة
السائق رقم 1
"أنا من الأوزاعي. بيتنا على الطابق الأرضي. ونحن مخالفون، أخبروا الدولة أننا مخالفون منذ أربعين عاماً، عندما هجّرتنا اسرائيل من بيوتنا، ثم حاولوا تهجيرنا وجرف بيوتنا. أنا من الأوزاعي، قريب من البحر، ولكنهم (….) اخت البحر"
السائق رقم 2
من أنا؟ صاحب محل أراغيل. مصلحة (….). مثل كل المصالح في هذا البلد. أبي معلم كهرباء، ولكن مصلحته (….) من مصلحتي. أين بقية الناس؟ (….) بكل واحد ساكت منهم.
السائق رقم 3
الساحة منيحة، تصلح للتجمع والسهر. لكنها ليست المكان الأنسب للتظاهر. نتظاهر هنا لأننا اعتدنا أن نتظاهر هنا. ربما عودونا على ذلك ويجب أن نتوزع. الحمد لله شاركت وسأشارك في قطع الطرقات أيضاً حتى يحلّوا عن (….).
السائق رقم 4
نحن متعلمون ولسنا فقط (….). هم (….). درست لسنتين في كلية الحقوق ولكني كنت أعمل بعد الظهر. والناس ينجحون بالواسطة ويرسبون بالقوة أيضاً. ما الذي كنت سأصيره؟ محامياً؟ كاتب عدل؟ سأذهب إلى السلك الدبلوماسي؟ لن نذهب إلى أي مكان.