على وقع نزف الشمال لشبابه المتسللين الى ارض ميعاد اوروبية، متدثرين بهوية سورية مزورة، بين ملايين النازحين، وعلى وقع اخبار غرق الكثيرين منهم، وهي أخبار فتحت جروحا لم تندمل اصلا منذ غرق العبارة الاندونيسية بعكاريين طفشتهم السلطة السياسية بإهمالها وفسادها، تبدو عكار للوافد من العاصمة، مرجلا يغلي بغضب من نوع جديد، منتظرا من يجرؤ على تحويله الى مكب "لزبالة بيروت" لينقلب فوق رأسه. اما السلطة، التي تحاول "تثبيت" مكب سرار، فهي تواصل محاولاتها لشق الرأي العام الرافض للمكب، تارة بالترغيب وأخرى، كما يحصل في بيروت، بالترهيب، لكن، دون جدوى!
يكفي ان تحدد الطريق التي ستسلكها شاحنات القمامة من بيروت الى مكب سرار، وان تتوقف في كل قرية على هذه الطريق سائلا الناس، حتى تحصل على صورة صادقة تقريبا عما يجري.
من "العبدة" الى "تل حيات" فـ "بلانة الحيصة" ثم "الحيصة" التي قصفتها اسرائيل في حرب تموز الماضية وقتلت 11 شخصا من اهلها، ثم "تل حميرةط فـ "الشيخ عياش"، واخيرا العبودية، حيث يعتصم العشرات من اولاد القرى المجاورة لسرار تحت خيمة يحرسون فيها الطريق المفضي الى المكب المذكور، تؤكد اقوال الناس ان المطمر مرفوض على نحو حاسم.
امام هذا الحزم، لا تجد السلطة الا ما تتقنه من وسائل لاقناع اهل المنطقة بتقبل المطمر: الرشى تارة، الترهيب تارة اخرى. اما آخر ما توصل اليه اهل السلطة، فهو بث شائعة مفادها بأن تثبيت مكب سرار سيترافق مع ايجاد مكب "شيعي" في البقاع، في محاولة منهم تتوسل التوازن المذهبي بدلا من الإنمائي لاقناع اهل عكار السنّة بالموافقة على استقبال زبالة "بيروت المجلوقة" على حد تعبير احد المعتصمين.
نجح ائتلاف "#عكار_لعيونك_توحدنا" في تعطيل العمل على تحويل المكب العشوائي المستخدم منذ 17 عاما هنا، الى "مطمر صحي" بحسب ادعاء خطة شهيب، كما نجح في ايقاف تزفيت الطريق المشقوق الى المكب، برغم محاولات مالكه خالد الياسين المرعبي الحصول على مؤازرة أمنية لتأمين وصول "نفاياته".
"يا حبيبي! صار للزبالة اللي ما صار للعكارية: مرافقة امنية؟ يا ريتني تنكة بسوكلين يا الله!"، يقول شاب طرابلسي ضاحكاً، تعليقا على ما قاله سائق الفان من ان "المشنوق" مردفا (الله لا يوفقو) ارسل مفرزة من حلبا الى سرار لتحرس المكب، لكنه اردف "بس وين؟ والله ما رح يخلوا طير الطاير يقطع لهنيك".
ما في كبير هون.. بطّلنا!
شجرات الحور القديمة التي تحف بطريق الشيخ عياش من الجانبين مظللة الطريق ذات الزفت الباهت، بلغت علوا لا مثيل له. ترفع رأسك الى أعلى وانت تمر بينها، متسائلا عن سر تعمير تلك الحورات الباسقة. ربما يكون ذلك من الحسنات النادرة لإهمال "الدولة" للمناطق.
الشاب رجب عويّد، الذي وجدناه جالسا وأترابه امام دكان على حافة الطريق في الشيخ عياش، يخبط على فخذه وهو يخبرنا كيف انه اشترى منذ سنة ونصف سنة حوالى خمسة دونمات محاذية للمكب الحالي في سرار. "هلق شو بدي إعمل؟ لا بقى تنزرع ولا بقى تتعمر. مين بيقدر يشتغل ومنخارو بالزبالة؟ الله لا يوفقك يا خالد الياسين". يقول الشاب العشريني قاصدا مالك المكب.
اغبياء حتى بالفساد
لا تزال صور الرئيس السوري بشار الاسد تشير الى "هوية" سكان قرية الحيصة المذهبية. تخترق الجسر الذي قصفته اسرائيل خلال حرب تموز الاخيرة موقعة 11 اصابة بين قتيل وجريح، متوجها الى العبودية.
بعد خطوات، نصل الى مفرق سرار، حيث نصب معتصمو ائتلاف "عكار لعيونك توحدنا" خيمة واسعة جلس تحتها عشرات الرجال.
يدلنا الشباب الى مرعب العبدلله، الذي كان اول ناشط هنا ضد مكب سرار العشوائي "منذ 17 عاما". تتنبه بعد قليل من الكلام مع الناس ان الصراع مع المكب يكاد يكون عائليا! فأغلب القرى المحيطة بمكب سرار هي من افخاذ مختلفة من عائلة "المراعبة" الإقطاعية القديمة التي كانت تسيطر على معظم اراضي عكار وتستعبد اولادها.
الذباب لا يدعك تكمل كتابة جملة واحدة بدون تقطيعها بالكش. يضحك بعض الشباب "هيدا الدبان ولا شي. روحي شوفي البيوت اللي ساكنة جنب المكب".
نسألهم عن تواتر احاديث حول مجموعات "مخردقة" من السلطة اندست في الحراك، فيقول احدهم "المخردق بيفرز حالو..بيطلع دغري. ولما حدا بدو يجي يقعد معنا ما فينا نحاكمو ع النوايا". يتدخل مرعب قائلا "منسمع كتير انو في ناس انباعت وانشرت، يا ترى هالدولة بتعرف شو حجم اللي اشترتهم وشو بيمثلوا بالمنطقة؟ يعني اغبيا حتى بالفساد. نحنا القرى المجاورة للمكب ونحنا منقرر. اللي قبض بالنهاية ما بيمثل الا نفسه".
وهل حاولوا رشوة اهل الخيمة؟ يجيب احدهم "هلق وصلت مراسيل انو كل بيت متضرر عرضوا عليه 30 الف دولار.. بس انو كيف هاي بدها تزبط؟ الناس عم تدافع عن صحتها".
يضيف عبدالحليم "اذا بدهن يفوتوا بالرشوة بدهم يبلشوا بكل واحد لوحدو.. مستحيلة. اصلا هيدا موضوع كرامة". نسأله لمَ يكون كذلك بدلا من ان يكون موضوع حقوق؟ يقول "جايي زبالة بيروت لعنا. ليش بدها تمرق بجونية ويمنعوها ونحنا بدنا نستقبلها؟ انو نحنا الحلقة الاضعف؟".
ثم يقول كمن يحدث نفسه "بقطع من طرابلس لهون بتعزني الدني!". يثني على كلامه محمد "في عنا مقولة بتقول: لبنان من (جسر) المدفون ورايح". يقصد حدود محافظة الشمال.
ويضيف "هالمعاملة عملت جرح كبير بالصميم: نحنا لا كهربا ولا ماي ولا انماء. مندفع ضرايب والمطار استكثروه علينا، وأول شي مركزي إجانا من بيروت؟ الزبالة!".
يتحدث الجميع تقريبا في الوقت نفسه. نلاقي صعوبة في تهدئتهم الوقت اللازم للكتابة.
يهمس احدهم في اذني حين اسأل: طيب هلق شو بدو يصير؟ ما المكب موجود. "ستنا، هيدا المكب بدنا نسكروا. هاي فرصة. اصلا لمعلوماتك، هناك كلام متداول تحت الطاولات بان مشكلة المكب سيحلها حزب الله".! عفوا؟ وما دخله؟ يجيب الرجل: ايه ايه.. عم يقولوا انو حزب الله رح يزبط كل شي عندو بالبقاع. يعني كل نفايات لبنان سيأخذها على عاتقه!".
الوضع الصحي يبدو شاغلا فكر عبد الله الدويك "احصاءات الضيع حوالي المطمر فيها بين الاطفال بس 500 اصابة تقريبا بالسرطان". نسأله ان كانت هناك وثيقة بهذا الامر؟ فيجيب "ما عنا دائرة نفوس تسجل اسباب الوفيات فعلا بس منعرف". يعلق الزميل فراس العبداالله: "بجوار المطمر ومن سنين ما في حدا بيموت موتة ربّو".
يعلق احدهم "اصلا بيو لخالد الياسين مات بالسرطان. هوي اللي فتح المكب هون".
هل سمعت رنين شماتة؟
شيرحيميرين
قد يكون اسم القرية المطلة على مكب سرار، من اصل آرامي معناه الهاوية الحمراء. يؤكد لون الارض القاني هذا التفسير. كل سكان القرية هم اولاد عمومة او خؤولة. كلهم مراعبة.
التعليم بحسب هبوب الريح
في بيت قريب من المكب تجلس رشا على شرفتها. اخيرا رأينا سيدة! تقول رشا ملخصة وضعهم بجوار المكب "الماي ما بتنشرب، للحمام ما بتسوى، حتى الولاد منحممهم بمياه معدنية. الماء صالح بس للتواليت".
سرعان ما تخرج نزهة ملك من داخل المنزل. هنا الجميع مراعبة، تماما كما صاحب المكب "الله لا يوفقو" كما يقال كل ما ذكر اسمه! تخبرنا نزهة ان رشا استحمت مرة بمياه الحنفية ولفت شعرها بمنشفة وخرجت لانها كانت مستعجلة، واذا يتساءل الجميع من اين تفوح تلك الرائحة الكريهة ليتبين ان المصدر شعرها المغسول. وتضيف رشا "لو ابني هون لفرجيكي الحبوب اللي بجسمو: اقراص اقراص. كانت الحبة اول شي مروسة وإلها وهم (قيح) فقأها ابوه واذا بها تتمدد اكثر وتوهمت كلها. والحالة منتشرة بكامل القرية (انظر الكادر)".
يقاطعها قريب لها "جماعة المكب عندما نشرنا الصور صاروا يقولون ان هؤلاء الاطفال سوريون اتوا حديثا من هناك!"، ولكن بما انهم اقارب الم يحاولوا التفاهم مع صاحب المكب؟ تقول نزهة "هوي ابن عمنا بس لانو ابن عمنا بيعمل فينا هيك؟". يدعونا الجمع الى السطح لنشاهد المكب الشهير. تقول رشا: "منغسل الغسيل ومنلمو ريحتو طالعة. شو منعمل؟".
لا اسرار هنا في سرار، كما في كل القرى. نسألهم «من اطلق النار على الناشطين؟ يجيبنا مرعب "هدول مطلوبين للدولة السورية، كانوا يستخدمونهم حتى يقوصوا عبر النهر الكبير الجنوبي على الحدود السورية لاستفزاز سوريا لترد عليهم. وهوي (خالد الياسين) آواهم، ما معهم اوراق رسمية وداخلين بطريقة غير شرعية".
نسأله "ولمَ سيؤويهم؟ فيجيب "بيلزموه. يعني بيشتغلوا بالمكب وقاعدين فيه، واللي بياكل خبز السلطان بيضرب بسيفه، وهني اللي قوصوا ع الشباب".
لا تنتهي مصائب سرار. يخبرونك كيف ان المدرسة التكميلية في القرية تقفل بحسب جهة هبوب الهواء: غربيا ملوثا او شرقيا محتمل الرائحة. ويضيف احدهم "طبعا هذا بعلم وزارة التربية".
كشف طبي
بالرغم من توقف الاعمال داخل مكب سرار لليوم السادس على التوالي، لا يزال الناشطون يرابطون عند مفترق اوتوستراد العبودية- منجز، لمنع الشاحنات المحملة بالنفايات من الوصول الى ارض سرار، وهم نصبوا امس الجمعة خيمة اخرى مقابلة للخيمة الاولى، تأكيداً على استمرارهم في رفض المكب. الخطوة اتت من شباب حملة "عكار منا مزبلة"، الذي اشار الناشط فيها فراس العبدالله لـ"لأخبار": "الى استقدام لجنة صحية من النجدة الشعبية للكشف على الحالات الصحية التي يتعرض لها سكان المناطق المحيطة بسرار". بدوره كشف رئيس لجنة الاطباء الدكتور ياسر طعوم "ان ما يقارب 40 حالة تحسس وطفح جلدي ناتجة من البرغش والذباب جرى الكشف عليها بين الاطفال، اضافة الى حالات التحسس الصدري والربو نتيجة حرق النفايات والمواد البلاستيكية". واكد طعوم "ان اعداد الاطفال المصابين تعد رقما كبير جداً، اضافة الى اصابات لافتة تحتاج لمتابعة طبية". وبحسب فراس العبد الله:" سيصار الى العمل على تقرير طبي يرفق بدراسة بيئية يقوم بها أحد الخبراء البيئيين توضح مدى حجم التلوث والامراض التي تنتج من مكب سرار، وهو ما سيدفع المعتصمين وحملة "عكار منا مزبلة" الى المطالبة باقفاله نهائيا".
(الأخبار)