تنهض فاطمة يومياً في الصباح الباكر، فتستقبل الشمس والهواء حيث تقيم في المزرعة الصغيرة في الجنوب. هي امرأة من ريف حلب، نزحت إلى لبنان مع عائلتها، ووجدت مستقراً في مزرعة، كانت تعيش فيها عائلات مسيحية تعمل في زراعة التبغ والقمح. ثم نزحت تلك العائلات مع بداية الحرب الأهلية، وباع أصحاب الأرض أملاكهم لعائلات مسلمة، تاركين خلفهم منازل مبنية بالحجارة الصخرية، تهدمت أجزاء منها وبقيت أجزاء.
اختارت فاطمة أحد تلك المنازل المهجورة، وأقامت فيها مع عائلتها المؤلفة من زوجها وأربعة أبناء. كان المنزل جميلاً في ما مضى يتألف من غرفتين كبيرتين تحتهما قبو من العقد، وبئر مياه، وأمامهما غرفة صغيرة تتصل سطيحتها بالمنزل عبر ممر صغير يسمى بالعامية "الممشى". أصلح الزوج ما استطاع في الغرف، ووضعت الزوجة علب التنك المستخدمة في حفظ الزيت والحليب على الدرج الحجري، وغرست فيها وروداً، تيمناً بالعادة الدارجة لدى أهالي الريف.
تمتاز فاطمة بقامتها الطويلة وبنيتها الممتلئة وبشرتها الحنطية وعينيها العسليتين الفاتحتين وضحكتها. أخذت جمال المرأة الحلبية، وخضعت لعادات الريف، فتزوجت في الثالثة عشرة والنصف من عمرها، وأصبح زوجها مثل رفيقها كما تصفه.
حلَّ موسم قطاف الزيتون، فأخذت تعمل مع زوجها في القطاف، في القرية المجاورة، وفي المزرعة حيث تنتشر اراضي الزيتون الواسعة التي حلت تدريجياً مكان حقول التبغ.
هناك حيث تعمل وتعيش، اختلطت العائلات صاحبة أراضي الزيتون مع العمال السوريين، وفاطمة واحدة منهم، ترتدي ثوبها الطويل الملون والكوفية الحمراء وتذهب إلى الحقل، فقد نجت من العباءة السوداء التي تفرضها داعش على النساء في ريف حلب، واحتفظت بثوبها الملون المستمد من ألوان الطبيعة.
ترافق القطاف هذا العام مع دخول روسيا الحرب في سوريا، واتخذ الكلام في الحقول والمنازل موقعاً مختلفاً عن موقعه في مكاتب أصحاب القرارات المجردة من كل ما له علاقة بالإنسان وعيشه. هنا بين اشجار الزيتون يمتزج الحديث ويختلط: الحرب الروسية في سوريا وتأثيرها على حياة أهالي الجنوب والمنطقة، قافلة الشباب الشهداء وإلى متى ستستمر؟ الحراك المدني والنفايات، إنتاج الموسم من الزيت والزيتون.
ودائماً يصبح الكلام أكثر حرارة عندما يبدأ التنافس بين أصحاب المواسم، أيهم أكثر إنتاجاً، فهذا مصدر رزق مباشر، ويدور السؤال المحوري من صاحب موسم إلى آخر: كم كلغ انتجت؟ وكم كلغ تحتاج من الزيتون لعصر كلغ واحد من الزيت؟. ومع ذلك يتخذ الغزل بالأشجار الحاملة بعده العاطفي، فالأشجار تصبح تقريباً كالأبناء، لا يفهم صلته بها إلا من يعاشرها.
لا تحتمل فاطمة الكلام في السياسة كثيراً، فهي نزحت بحثا عن باب الرزق، تستمع وتبتسم، أو تتنهد، ثم تتابع عملها. تنظر معها إلى الأراضي الواسعة حول منزلها المؤقت في المزرعة وتسألها: ما رأيك بهذا المشهد الجميل، فتجيب: منزلنا يطل في حلب على مشهد أكثر جمالاً، تحت منزلنا يجري نهر الفرات.
تكمل عملها، وتعود منهكة إلى أولادها، ويقترح أبو ناجي صاحب النكتة الدائمة، حضور أربع قنوات تلفزيونية من أجل تجنب وجع الرأس، وهي القنوات الموالية للتدخل الروسي في سوريا، ويضيف ضاحكاً: هذه القنوات ترينا أننا الرابحون في الحرب، أما القنوات المعارضة فهي تعتبر دائماً ان روسيا خسرت أو سوف تخسر الحرب، لماذا نحضرها ونهز بدننا؟.
يجيبه شقيقه أبو جاد: من مصلحتنا أن تربح روسيا لكنها ضعيفة أمام الولايات المتحدة، فتلك دولة عظمى وتملك قدرات في مجال التسلح أكبر بكثير، كما تملك إمكانيات مادية أكبر، ويكفيها أنها تفرض على دول الخليج دفع تكاليف الحرب.
يتابع أهل الجنوب الحرب الروسية، بوصفها تمسهم مباشرة، يريدون ربحها لكي تتوقف قافلة الشهداء. من حرب إلى حرب، يصبح العمر كما قالت عنه الحاجة أم حسن بفطرتها: وُلدنا في الحرب وسوف نموت فيها، جيلاً بعد جيل.
ينتقل الحديث إلى النفايات فيصبح أكثر حدة، الحرب في سوريا تؤثر علينا، لكن القصف ليس مباشراً على رؤوسنا، أما النفايات فهي تكاد تكون أشبه بالقصف المباشر، تتواجد بين المنازل وعلى الطرق وفي الأودية والحقول، وبالتالي فإن أقل ما يمكن أن يصف به الناس الفئة الحاكمة بأنها مجموعة عصابات، آخر ما أنتجته هو توزيع المطامر على أساس طائفي ومذهبي، فما دامت المؤسسات والوظائف والضرائب والمشاريع موزعة على تلك الأسس، فلماذا تشذ عنها النفايات؟. ولم يستطع الحراك المدني اختراق هذا التوزيع،لأنه غير قادر حتى الآن على اختراق التركيبة نفسها على الرغم من الطموح بحصول ذلك.
تختلط كل تلك القضايا في الرؤوس، كما تختلط على أرض الواقع، كل قضية منها تحتاج إلى قدرة قائمة بذاتها، لكن الصراعات تفرض مسارها، وفاطمة لا تريد أكثر من منزل يؤوي أولادها وطعاماً وحطباً للشتاء.
(زينب ياغي - السفير)