لا تزال قضية النفايات التي رميت خلسة في محلة مرج الخوخ في قضاء مرجعيون تتفاعل، ولا سيّما بعد سقوط خطة توزيعها على البلدات، واستمرار تواجدها على بعد أمتار قليلة من نبع مياه الشفة الذي يغذّي تسع قرى في المنطقة.
هذه القضية التي أثارها "
لبنان 24" منذ مدّة، لم تجد حتى الساعة أي نهاية ترضي السكان وتبعد عنهم شبح استهلاك مياهٍ ملوّثة.
وفي التفاصيل، ان المدعو "ح.ز" عمد منذ بدء أزمة النفايات في لبنان إلى نقل شاحنات محمّلة بقمامة كان يأتي بها من احدى مناطق بيروت، وراح يردمها تحت جنح الظلام مقابل مبالغ مالية قُدّرت بأكثر من ألف دولار عن كل نقلة، وذلك بجوار معمل باطون يملكه في محلة مرج الخوخ حيث نبع المياه الذي يروي أكثر من 70 ألف نسمة.
سرعان ما افتضحت هذه الجريمة البيئية، وعليه تقدمت ثلاث بلديات (جديدة مرجعيون، برج الملوك وابل السقي) بشكوى لدى القضاء المختص لإجراء المقتضى، فأوقفت القوى الأمنية صاحب الشاحنات في أيلول الماضي، ليُفرج عنه لاحقاً بكفالة مالية.
بعد إقفال هذا "المكبّ" المشبوه، عقدت سلسلة لقاءات ومشاورات بهدف التوصل إلى الحلّ الأنسب لإزالة النفايات من المكان منعاً لتلوث المياه، بخاصة اثر هطول الأمطار، فوضع قائمقام مرجعيون وسام الحايك (مكلّف بأعمال بلديتي برج الملوك وإبل السقي بسبب حلّ المجلسين البلديين) خطة تقضي برفع هذه النفايات وتوزيعها على بلدات المنطقة وفقاً لتقسيم عادل.
إلّا أن هذه الخطة جوبهت برفض الأهالي الذين عارضوا استقبال النفايات داخل مناطقهم، فقطعوا الطرقات أمام الشاحنات التي كانت قد باشرت بتوزيع النفايات على المناطق، كما اتفق.
ولكن بحسب ما أفادت مصادر رسمية "لبنان 24"، "فان ثمة من حرّك الشارع وحرّضه على رفض خطة القائمقام، والتي تهدف بالأساس إلى إبعاد الخطر عن المياه، ريثما تصدر كلمة القضاء في هذا الملف وتكليف المدّعى عليه كامل نفقات إزالتها وما يترتب من تعويضات".
وترى المصادر ان التقديرات المتداولة حول كمية النفايات الموجودة في المكبّ (حكي عن 108 آلاف متر مكعب)، مبالغ بها، اذ لا يعقل ان يكون المدّعى عليه قد تمكن من نقل 5000 نقلة من بيروت الى الجنوب، في خلال 55 يوماً، خلسة! وتشير المصادر إلى أن هذه النفايات تم خلطها مع الردميات، ما اوحى بأنها بهذا الحجم.
وعليه، ترى هذه المصادر أن تخوّف السكّان من نقل كميات كبيرة إلى مناطقهم، لم يكن في محلّه، معيدة التأكيد أن "هذه الخطة كانت أفضل الخيارات، على رغم أضرارها، إلّا أن حماية مياه الشفة كانت الهدف الأساس، خصوصاً ان امكانية إلزام المدّعى عليه إزالة النفايات على نفقته الخاصة لربما تستغرق وقتاً، وفي هذه الحال لا مجال لأي تأخير أو استمهال نظراً إلى قرب المسافة بين المكب والنبع".
ويتداول أهالي المنطقة أن لجنة من الخبراء كشفت على المياه فأكدت وجود تلوّث، ما دفع بشركة المياه إلى رفع نسبة الكلور من 3 ونصف بالمئة الى 7 %، وقد تم التحذير من أنه في حال بقيت هذه النفايات على مقربة من النبع، فإنها لن تعود صالحة حتى للاستحمام. إلاّ ان المصادر الرسمية نفت هذه الأقاويل، مشيرة إلى أن العيّنة التي أخذت (بعد اضافة الكلور اليها) خلت من التلوّت، لكنّها حذّرت من مغبة ترك النفايات إلى جانب النبع مدة اطول، "لأن الكارثة ستقع حتماً".
يُذكر أن عدداً من رؤساء البلديات وفاعليات المنطقة وأهاليها نفذّوا السبت الماضي اعتصاماً على مقربة من نبع مرج الخوخ مطالبين "الجهات المعنية بالعمل على إزالة النفايات" ورافضين "تحمّل البلديات نفقات إزالتها".
وفي هذا السياق، يتمنى رئيس بلدية برج الملوك السابق سليمان سليمان في اتصال مع "لبنان 24" من السلطات القضائية الاستعجال في بتّ هذه القضية ومحاسبة المتورطين، على أن يتحمل هؤلاء ازالتها واعادتها إلى مصدرها على نفقاتهم الخاصة، ولا سيّما بعد رفض خطة التوزيع العادلة. ويشددّ سليمان على "أهمية إنزال اقصى العقوبات بحقّ من قام بهذه المجزرة كي يكون عبرة لمن اعتبر".
وإذ يعتبر سليمان أن القضية لا تحتمل الانتظار "وأن الوقت ليس بصالحنا"، يطالب الدولة بأجهزتها المعنية بإيجاد حلّ فورّي (قد يكون موقتاً) يرضي الاطراف كافة، ويتمثل برفع النفايات من المكان المحاذي للنبع ونقلها الى ارض بعيدة من السكن والينابيع والمزروعات، بحيث لا تتضرر أي منطقة.
وقد علم "
لبنان 24" ان نائب المنطقة الدكتور علي فياض يتابع الموضوع بأدق تفاصيله، ووعد بمتابعته مع السلطات القضائية لاستعجالها اصدار الحكم.
وكان فياض قد تفقّد المكبّ معتبراً "أننا أمام واحدة من أخطر الجرائم البيئية في المنطقة"، داعياً إلى كشف المسؤولين والمتورطين المباشرين وغير المباشرين. كما اطّلع فياض من القائمقام على حيثيات القضية وتباحثا في الحلول الممكنة لدرء الخطر عن منطقة لا تتهدد مياه الشفة فيها وحسب، بل ايضاً مزروعاتها في سهل مرجعيون الذي يرويه نبع الخوخ.
(خاص "لبنان 24")