انقضت سريعاً لحظات الفرح من ساحة رياض الصلح. فقد انتهت "السكرة" بتحرير العسكريين الذين خطفوا قبل نحو 15 شهراً على يد "جبهة النصرة"، لتعود "الفكرة"، والسؤال عن حال الذين لا يزالون مخطوفين لدى تنظيم "داعش."
تدريجياً، ستعود حياة أهالي العسكريين المحررين إلى طبيعتها الأولى. سينسون عذاب النوم داخل خيمة. وستؤويهم بيوتهم الدافئة، وسيجتمعون معاً في الليل ويتبادلون أطراف الحديث ويسردون حكايات كثيرة عن لوعة الانتظار. سيتذكرون الخيم والإعتصامات الماضية، ويبتسمون في سرهم لأنها انتهت. سيمضون العيد المقبل بسعادة وراحة بال. وفيما هم منشغلون بتفاصيل حياتهم العادية، سيظل أهالي العسكريين المخطوفين لدى «داعش» يتجرعون المزيد من كأس الانتظار المرّ.
في اليوم الأول الذي يغيب فيه أهالي المحررين لدى "جبهة النصرة" عن الساحة، يُطبق الصمت قبضته على المكان. وحده والد الجندي المخطوف محمد يوسف، حسين يوسف، يجلس على كرسي بلاستيكي ينفث دخان سيجارته بمرارة. يتأمل الساحة ويستعيد في مخيلته لحظات يوم أمس. يتمتم مع اللوعة: "الفرح جميل."
ينهض من على كرسيه بعفوية، يحمل خرطوم المياه ويبدأ بإزالة آثار "الحفلة" عن الرصيف ومحيط الخيم. يرفع الأزهار والأرز وأعقاب السجائر المرمية أرضاً، يُنظّف الخيم ويرتبها، مردداً: "سنعود إلى انتظاراتنا السابقة، يجب علينا أن نخطط لإقامة المزيد من الإعتصامات والضغط من أجل استعادة أبنائنا."
يؤكد أن "ملف العسكريين المخطوفين لدى داعش حساس للغاية"، مشيراً إلى أن "مجريات إقليمية ودولية تتحكم بمساره، لذلك فإنه من الصعب إنجازه بسهولة."
يأمل حسين، المثقل بهمّ إبنه البكر، أن يعود وفد الأهالي المؤلف من عائلته وعائلتي المخطوفيّن خالد عمار وخالد مقبل حسن، والذي كان توجه صباح أمس، للقاء رئيس بلدية عرسال علي الحجيري، بنتيجة إيجابية. رغم تأكيده أنهم "ذهبوا من دون أي تخطيط مسبق، ذهبوا ليروا ما بوسعهم فعله من أجل التقاط طرف خيط صغير يمكننا من إيجاد مفاوض للتواصل مع الجهة الخاطفة."
زيارة الحجيري المفاجئة لم تأت بأي نتيجة إيجابية تُثلج قلوب أمهات العسكريين الثكالى. كشفت والدة المخطوف خالد مقبل حسن عن أن «الحجيري استقبلنا بطريقة جيدة، ولكن على الرغم من توسلنا إياه لاطلاعنا على أوضاع شبابنا أصر على أنه لا يملك معلومات عنهم، وليس لديه أي اتصال بالجهة الخاطفة». تضيف بحرقة: "لا أعرف متى أُجنّ وأقرر زيارة الجرود بمفردي بحثاً عنه."
تعيش السيدات على أمل يتضاءل كلما ضاقت سبلهم في الحصول على معلومات مطمئنة. وحده حسين يوسف يحاول التخفيف من حدة المأساة.
"لنّ نيأس"، يضيف جازماً. يكرر العبارة كثيراً، ويؤكد كجندي متيقنٍ من النصر، أن "الفرج قريب، فلو بقي من عمري يوم واحد سأمضيه ساعياً لرؤية ولدي بين يديّ." ويشير إلى اجتماع سيعقده أهالي العسكريين بعد أسبوع مع المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم للوقوف على آخر التطورات في ملف العسكريين.
ظهراً، غادرت أمهات المخطوفين الساحة باكراً. فيما لازم حسين يوسف خيمته طيلة النهار وحيداً، إلى أن باغته العسكري المحرر لامع مزاحم مع عائلته بزيارة تضامنية. ففي أول يوم له خارج "سجن الجرود" زار مزاحم والد أسير لا يزال مجهول المصير، مواسياً.
احتضن حسين جسد لامع كأب ينظر إلى مولوده الأول بعد سنين من الانتظار. أصر حسين على مناداته "يا ولدي." لم يسأله عن أيامه الصعبة في الأسر، أو علاقته مع الخاطفين، لكنه حاول شحذ معلومة عن المخطوفين لدى "داعش." فأكد مزاحم أن "النصرة وداعش على خلاف، ولم نكن نعرف شيئاً عن العسكريين فلا نراهم ولا تصلنا أخبارهم." رغم ذلك، لا يزال حسين يوسف متسلحاً بأمل كبير، إذ يدرك أن عودة المخطوفين ليست سهلة.. ولكنها ليست مستحيلة.
عائلات العسكريين التسعة في عرسال
ستأنفت عائلات العسكريين التسعة المخطوفين لدى تنظيم "داعش" تحركاتها، أمس، حيث توجه وفد من العائلات الى عرسال، وزار رئيس البلدية علي الحجيري وعقد معه اجتماعا بحضور عدد من الفاعليات العرسالية، وذلك بهدف التفتيش عن أي معلومة يمكن أن تشكل رأس الخيط الذي يؤدي الى معرفة مكان ومصير العسكريين.
وأشار حسين يوسف (والد المخطوف محمد يوسف) الى أن "هذه الزيارة كانت ودية، وهي في إطار سعينا المستجد للحصول على أية معلومة يمكن أن ترشدنا الى مكان أولادنا، أو الوصول الى أي طريق للتواصل مع الدولة الاسلامية، بما يمكن فتح باب جديد للتفاوض مع الدولة اللبنانية."
وأكد يوسف أن وفد العائلات لم يحصل على أية معلومات جديدة، لافتا الانتباه الى أن فترة انقطاع التواصل بلغت السنة، "ونحن نحتاج الى جهود مضاعفة من أجل الوصول الى قناة يمكن التواصل معها بما يساهم في تحريك هذا الملف"، مشيرا الى "أننا سنبدأ لقاءاتنا مع المسؤولين المعنيين عن هذا الملف خلال الساعات المقبلة للبحث في كيفية الوصول الى آلية للتفاوض."
(ساندي الحايك- السفير)