بعد أقل من خمسة اشهر يدخل الشغور الرئاسي عامه الثاني من دون أن تلوح في الأفق بوادر حلحلة توحي بإحتمال أن يكون للبنان رئيس للجمهورية في المدى المنظور.
وما قاله بالأمس الرئيس نبيه بري عن وضع الملف الرئاسي في الثلاجة، بعدما كان موضوعاً في البرّاد، يكشف مدى تعثر الإتصالات والمشاورات التي لم تفلح حتى تاريخ هذا التصريح الصادر عن مهندس تدوير الزوايا، مضاف إليه تأثّر لبنان بالمنخفض الجوي المتأتي من تلبد الغيوم فوق الرياض وطهران وتدهور العلاقات بين تلك العاصمتين اللتين لهما تأثير مباشر على الساحة اللبنانية.
وقد يبدو مستغرباً ما واجهته المبادرة التي رشّحت النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية من عراقيل لم تسمح لها بأن تعبر بسلام من باريس إلى بيروت، وقد وضعت في الوقت الحاضر في ثلاجة الإنتظار، لأن ظروف التسوية، على ما يبدو، لم تنضج بعد، باعتبار أن هذا الإستحقاق بات محكوماً، وبما لا يقبل الشك، بالصراع الإقليمي، الذي بلغ ذروة غير مسبوقة من التوتر في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران.
وإلى أن تفعل الإتصالات الديبلوماسية الأميركية وغير الأميركية فعلها، وهي لم تنجح حتى هذه الساعة في وصل ما انقطع، وفي تذليل العقبات التي تحول دون عودة الأمور إلى سابق عهدها، وإن كانت غير سوّية، فإن الوضع اللبناني عموماً، والاستحقاق الرئاسي خصوصاً باقيان معلقّين على شماعة المصالح التي تربط كل من فريقي 14 و8 آذار بتلك العاصمتين الإقليميتين، مع ما يترافق ذلك من تنامي الحديث، الذي كان محصوراً ضمن الجدران الأربعة، والذي ظهر إلى العلن، عن أرجحية البحث في ما يُسمى مؤتمراً تأسيسياً، يعيد خلط الأوراق السياسية في لبنان، ويعيد جدولة ما تمّ التوافق عليه في اتفاق الطائف، وذلك قبل البحث في أي أمر آخر، وبالأخصّ رئاسة الجمهورية.
ولأن لهذه الرئاسة رمزية مهمة باعتبارها ضابطة إيقاع بين المؤسسات، وبينها وبين جميع مكونات البلد، مع العلم أنه لم يعد لها صلاحيات تنفيذية، فإن البتّ بما ستؤول إليه أوضاعها، ترشيحاً وانتخاباً، ينتظر تحديد الأولويات الإقليمية، التي تبدأ باليمن وتمرّ في العراق ولا تنتهي في سوريا، وينتظر أيضاً ما سيكون عليه الشكل النهائي لتسويات أزمات المنطقة، التي تحتاج إلى الكثير من الوقت ومن الإنضاج وفكفكة العقد المستعصية على الحلّ، خصوصاً في ظلّ التوتر بين كل من الرياض وطهران، والذي بدأ يأخذ أبعاداً أخطر مما كان يتصوره البعض.