ليس من المستغرب بشيء أن يتبادر إلى الذهن أن المسؤولين في لبنان، وبالأخص أولئك المنوطة بهم مسؤولية إيجاد الحلول للأزمات المتراكمة، قد أصبحوا عاجزين إلى حدود تفوق التصور.
فهم عاجزون عن انتخاب رئيس للبلاد، مع ما يترتّبه هذا العجز من مفاعيل تنعكس سلباً على كل مفاصل الحياة السياسية، التي أصبحت مرتبطة بمواعيد وتواريخ لجلسات إفتراضية بلغ تعدادها التسلسلي حتى الأمس القريب رقماً لم يعد يعني الشيء الكثير بالنسبة إلى كثيرين، بينما هو رقم خيالي بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا تزال الديمقراطية تعني لهم تداولاً للسلطة، بين موالاة ومعارضة.
وقد يقول البعض لتبرير عجزهم وفشلهم أن للإستحقاق الرئاسي امتدادات لأزمة المنطقة التي لم تنضج بعد ظروف إيجاد حلّ سياسي لها، مع ما يعنيه هذا الكلام من تهرب في تحمّل مسؤولية التعطيل، وفي ذلك قبول طوعي بمنطق التسويف والتأجيل مع ما يتطلبه مسار الحلول المنتظرة للمنطقة من وقت ليس بقصير. وهذا يعني أن الوضع اللبناني سيبقى موضوعاً في ثلاجة الإنتظار إلى أن يحين وقت الحلول الكبرى.
وإذا كانت الآزمة الرئاسية مرتبطة عضوياً بأزمة المنطقة المعّقدة والطويلة فلا مبرر لعجز الحكومة، التي ولدت في الأساس عاجزة وفي تركيبتها تشوهات، عن إيجاد حل، ولو مؤقتاً، لأزمة النفايات التي لم يعد من الجائز القبول بمنطق تعطيل الحول المقترحة، ومن بينها المطامر الموزعة مناطقياً على قاعدة المساواة بين الطوائف.
لا يعتقد أحدٌ أن أياً من هؤلاء المسؤولين لا يسلك طريق المدخل الشمالي لعاصمة لبنان، وبالتحديد في البقعة الجغرافية الممتدة من جسر الدورة حتى الكرنتينا، وهو المعبر الإجباري الوحيد لقاصدي العاصمة من مناطق المتن وكسروان وجبيل والبترون والكورة وطرابلس وعكار، ولا يظن أحد أن من بين الالآف المؤلفة التي تُحشر في طوابيرالسيارات التي يغصّ بها هذا الأوتوستراد لا يكون بينها مسؤول أو أكثر.
والسؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه بنفسه على هؤلاء: هل شمّ هؤلاء هذه الرائحة الكريهة التي تنبعث من أكوام الزبالة، اللهم إلاّ إذا كانوا مصابين بزكام حاد يحول دون وصول هذه الرائحة إلى انوفهم، أو إذا كانوا قد فقدوا حاسة الشمّ بعدما فقدوا حاسة الذوق.
ولأنهم عاجزون حتى عن الشمّ لا يجد هؤلاء المسؤولون، وبالطبع من دون معرفة عما هم مسؤولون عنه بالتحديد، ضيراً في تقاذف المسؤولية في أكبر عملية هروب إلى الأمام سجّلها التاريخ، وفي الإمعان في دفن الرؤوس والأنوف في الرمال.
وإلى أن يستقرّ الرئيس تمام سلام على رأي بالنسبة إلى الاستقالة الممنوعة أو الاعتكاف المشروع تبقى النفايات همّاً ضاغطاً تنتشر منها الروائح الكريهة، ويبقى الحراك المدني على مواعيده وانذاره الأخير، على أن يكون السبت المقبل يوماً فاصلاً بين الرحيل أو الترحيل.