من الأمثلة الشعبية التي كانت تتحدث عن أحوال الطقس هذا المثل الذي يصف شهر آذار بأنه "غدّار"، وعليه يجب الاحتياط وترك الجمرات الكبار تحسباً لغدره. وهذا المثل كان يصّح مئة في المئة تقريباً قبل التصحّر المناخي، وقبل أن أن تفتك التكنولوجيا بالطبيعة، وقبل أن يغزو الباطون العشوائي المساحات الخضراء، وبالأخص في لبنان، حيث لا مراعاة لإصول البناء ولا وجود لشيء إسمه تنظيم مدني، وقبل أن تلصق بهذا الشهر، الذي لم يعد غدّاراً لكثرة الغدّارين الذين ضاهوه غدراً، صفات تقاسمها اللبنانيون منذ العام 2005 ما بين الثامن منه والرابع عشر، فكانت الممانعة والصمود عنوانا للفريق الذي التحق بركب الثامن، وكانت شعارات السيادة والحرية والاستقلال من نصيب الفريق الآذاري الآخر.
وهكذا أضيفت على هذا الشهر الموصوف بالغدر صفات أخرى، وهو منها براء، وبات في حيرة من أمره، يتنازعه فريقان مختلفان في الإستراتيجيات وفي الأهداف، وفي نظرتهما إلى القضايا الوطنية وفي علاقاتهما الإقليمية، وفي توصيفهما للوضع الراهن وإمكانية إخراج البلاد من عقدة إسمها 8 و14.
وعلى رغم إختلافهما على كل شيء تقريباً، إذ أن ما يراه الفريق الأول ابيضَ يراه الثاني اسودَ، والعكس صحيح، فهما متفقان إلى حدود كبيرة في التعطيل والعرقلة والإمعان في تحجيم دور المؤسسات والإطاحة بمقدرات الدولة وتقزيمها وتقاسم ما تبقى منها من خيرات ومغانم بالتساوي، إلى حدّ باتت فيه البلاد تسير على ما قدّر الله. فلا رئيس يحلف بالله العظيم انه "يحترم دستور الامة اللبنانية وقوانينها ويحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة اراضيه"، فغُّيب الرئيس وغُيّب معه هذا القسم المعطى حصراً لرئيس البلاد، وما فيه من صلاحيات مطلقة غير مكتوبة في دستور لا يُحترم، ولا وجود له في أعراف تُخترق، لأن مسؤولية احترام الدستور والقوانين وحفظ استقلال الوطن وسلامة أراضيه فوق كل هذه الإعتبارات، خصوصاً أن رئيس البلاد مؤتمن على "الكتاب"، كما كان يقول الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب.
ولأن الآذاريين متساوون في مسؤولية إيصال البلاد إلى ما وصلت إليه والحؤول دون انتخاب رئيس للبلاد، والكلام منسوب إلى البطريرك الماروني المُعطى بدوره "مجد لبنان"، أصبح هذا الشهر في حيرة من أمره بين ما يُطلق عليه من صفات لم تعد صفة الغدر أقلها شأناً، وهو بات من بين اشهر السنة في الروزنامة اللبنانية الأكثر ظلماً والأكثر تحمّلاً لآوزار الآخرين.
وككل سنة يحّل الثامن من آذار ومن بعده الرابع عشر وتبقى البلاد سائرة على ما قدّر الله.